الكتاب الأول : سيدنا إبراهيم ( ع )
خصائص قوم سيدنا إبراهيم ( ع )
يذكر القرآن الكريم أن أول نبي هو سيدنا آدم ( ع)، والذي جاء ذكره من بعده هو سيدنا نوح ( ع). أما سيدنا إبراهيم ( ع) فيذكره القرآن باعتباره من سلالة سيدنا نوح ( ع) وعاش في فترة زمنية بعده
( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ(83) (الصافات)
( أور - نمو ( 2112 – 2092 ق.م )
بنى زقورة أور وخصصها لعبادة القمر
ومدينة أور كانت من أشهر المدن السومرية
كما تذكر مسلة حمورابي)
والأنبياء من صلب سيدنا إبراهيم ( ع) هم الأنبياء الكرام، اسحق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى والمسيح ( عليهم السلام أجمعين).
لقد عاش سيدنا إبراهيم ( ع) – كما يذكر ذلك لنا القرآن الكريم – في منطقة الشرق الأوسط وفي إقليم ما كان يعرف بما بين النهرين ( ميزوبوتاميا – وما يعرف بالعراق الآن) وهذا ما تؤكده أيضا المصادر التاريخية. وفي تلك العهود كانت الأقوام والمجتمعات في هذه المنطقة من عبدة الأوثان والأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم، أو يعبدون الأجرام السماوية أو الشمس أو القمر. وقد ظهرت معالم وآثار مندثرة كثيرة لمباني وهياكل عظيمة تسمى " الزقورات" كانت مخصصة لعبادة الشمس والقمر، خرجت إلى الوجود من تحت الأتربة والأنقاض على إثر التنقيبات في الشرق الأوسط. وكما ظهرت أيضا تماثيل وأصنام من الحجر أو الصلصال المفخور نتيجة هذه الحفريات.
هذه الحقائق التاريخية الثابتة تؤكد وتدل على أن الأقوام والمجتمعات التي عاش فيها سيدنا إبراهيم ( ع) كانت من عبدة الأوثان، وإن المنطقة بعمومها كانت ديارا للمشركين.
لقد اختار الله سيدنا إبراهيم ( ع) وشرفه بالنبوة وكلفه بحمل أمانة تبليغ الرسالة. وقام هذا الإنسان الصالح بتبليغ الرسالة على أكمل وجه وقدم لقومه أمثلة للأخلاق الحسنة وحسن التصرف ولين الجانب رغم ما أمتاز قومه من غلظة وفظاظة وقسوة وظلم وجبروت. وكما ذكر ربنا سبحانه في القرآن فقد كان قوم إبراهيم يصنعون أصناما وأوثانا وتماثيل من الحجر والخشب بأيديهم، ويتخذونها بعد ذلك آلهة لهم يعبدونها من دون الله. وكانوا يهابون ويخشون هذه الهياكل الصماء التي نحتوها هم من الحجر أو صنعوها من الخشب والطين بأيديهم، ويقدمون لها مظاهر التقديس والتعظيم طمعا في كسب رضاهم كما كانوا يعتقدون، ولوقايتهم من إصابتهم بالسوء والشر وينتظرون منها العون والمدد. والعجيب أنهم كانوا يصرون على مواقفهم الباطلة هذه، ويقلدون بدون بصيرة ما وجدوا عليها آباءهم ودون تفكير أو
وكما قلنا، عاش سيدنا إبراهيم ( ع) بين قومه الذين كانوا على الشرك وعبادة الأوثان، وكان آباؤه وأجداده أيضا على هذا الدين. وقد نشأ بينهم وأخذ من ثقافتهم وتعلم آراءهم. غير أنه أظهر من الأخلاق الحسنة والشيم العالية والسلوك القويم في حياته ما جعله يختلف عنهم ويعزف عن مسارهم. وأخيرا قطع ما بينه وبينهم من وشائج بإعلانه إيمانه بالله وحده دون شريك له. ولم يكتف بالإعلان عن إيمانه هذا، بل وصرح بكفره بأصنام قومه، وقام بدعوتهم إلى ترك عبادتها والتخلي عن دين آبائهم وسلوك طريق الواحد الأحد.
دراية، بل وينقلون هذه العقائد المنحرفة إلى الأجيال من بعدهم كميراث.
وقد أوحى الله سبحانه إلى سيدنا إبراهيم ( ع) أنه خالق الكون وما فيها، ومبدع الأرض وما عليها والسماوات وما بينهما، وأن الناس على ضلال وظلمات وجهالة وانحراف. أما قومه فقد أرادوا منه أم يفكر مثلهم ويعيش كما كان يعيش أجدادهم من قبل. ولكنه أدار ظهره لهم والتفت بوجهه عن آلهتهم وكفر بأوثانهم وسفه آراءهم السقيمة، وآمن بالله الذي لا إله غيره.
وقد كشف الله أمام بصره وبصيرته آياته الباهرات في السماوات والأرض ليزيد من يقينه ويقوي فيه الإيمان:
( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (75) ( الأنعام)
تظهر الحفريات في منطقة ما بين النهرين، العديد من الآثار
واللوحات تظهر عبادة هذه الأقوام للأصنام أو الأجرام السماوية. وهذه الصورة تظهر ملك آشور ( توكولتي – نينورتا-1243-1207 ق.م) راكعا أمام إله النار ( نوسكو) الذي ظهر على شكل عرش فارغ منه ).
ولكن قومه لم يؤمنوا بالحقائق التي ذكرها لهم ودعاهم إليها، وكانت حجتهم أنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم على هذا الدين الذي هم عليه:
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(170) ( البقرة)
من الأمور التي كانت تمنع قومه من ترك دينهم ودين آبائهم، هو الإصرار على السير في الطريق الذي وجدوا أكثر الناس ملتزمين به وتوارثوها من آبائهم وأجدادهم، رغم فساد العقيدة والانحراف الظاهر فيه. ويعتبرون من غير الصواب مناقشة أو محاكمة أي رأي جديد مناقض لآراء الأكثرية أو يريد تغيير ما هم عليه. هذا الموقف أو التصرف يحذرنا منه القرآن الكريم:
( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(116) ( الأنعام)
أما سيدنا إبراهيم ( ع) - مثله كمثل كافة الصالحين من المؤمنين- فقد كان بعيدا كل البعد عن مواقف المشركين والمنحرفين وآرائهم الزائفة. وقد التزم جانب الحق والصواب رغما عن أهله وعشيرته ووقف أمامهم بصلابة شديدة، لم تثنه المصاعب والضغوط الكثيرة التي تعرض لها من قومه.
الإنعام بالنبوة على سيدنا إبراهيم ( ع )
إن المجتمعات والأقوام الذي أداموا وحافظوا على حضاراتهم ومدنياتهم لابد وأنهم تبلغوا برسالات السماء التي تدعو إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، والاعتراف بعظمته وعلو شأنه وقدرته وجبروته، والإيمان باليوم الآخر والحساب، وما يطلبه الرب من عباده من التزامات وواجبات ومهام. والقرآن أخبرنا عن هذه الحقيقة في الآية:
0 وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(36) ( النحل)
لقد اختار الله تعالى رسله وأنبياءه واجتباهم لما يتصفون به من خصائص ومميزات من دونهم من البشر. فهم فعلا مميزون عن محيطهم والناس من حولهم بقوة شخصياتهم وسمّو أخلاقهم آدابهم وتصرفاتهم التي تصلح بمجموعها أن تكون أمثلة للإقتداء. وكذلك فهم مختلفون عن أقوامهم المنحرفين عن جادة الحق والصواب، وميزهم نزول الوحي عليهم دون سائر الناس، ويقول فيهم القرآن الكريم:
( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163) ( النساء)
إن نزول وحي الله على الرسل والأنبياء وقيامهم بإبلاغ ما أوحي إليهم إلى الناس لطف ومنة من الله سبحانه. إذ بفضله توجه الناس إلى الهداية والإيمان وعرفوا معاني الأخلاق الحميدة وتعلموا العبادات وتفاصيل دين الله.
قال رسولنا الأكرم ( ص):
( إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليّ أبي وخليل ربي.) : ثم قرأ ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين أمنوا والله وليّ المؤمنين.)
ويخبرنا الله في القرآن عن تكليفه الرسل والأنبياء بإبلاغ الناس عن الصالحات من الأعمال:
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73) ( الأنبياء)
لقد عاش الأنبياء حياة مثالية وقاموا بتبليغ رسالات الله وأوامره ونواهيه بكل أمانة وكمال صورة. متوخين نيل رضا الله ورحمته والفوز بنعيم جناته.
إن النبوة مقام شريف رفيع المكانة يستحقها من عباده من كان تقيا ومختارا من عند الله تعالى. وكانت النبوة من نصيب سيدنا إبراهيم ( ع) بعد اجتيازه امتحانا عسيرا وتجربة محددة. ويحدثنا القرآن عن هذا الاختبار في قوله تعالى:
" وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124) ( البقرة)"
وكما هو موضح في الآية، فإن سيدنا إبراهيم ( ع) قد اجتاز كل هذه الاختبارات بنجاح وأثبت كونه عبدا مطيعا لربه وأمينا على الالتزام بأوامره ونواهيه. ولعل هذه من صميم واجبات كل مؤمن أيضا، إذ عليه الاستجابة بشكل كامل وبصورة مطلقة لله تعالى وأوامره. ولنا من سيدنا إبراهيم ( ع) القدوة الحسنة في الإطاعة والتسليم الكامل لربه وبجميع مقدراته وأوامره دون أي تردد أو تماهل.
إن سيدنا إبراهيم ( ع) من عباد الله الصالحين والمختار لحمل رسالته إلى الناس كافة منذ سنين شبابه الأولى ( سورة الأنبياء 60) لما امتاز به من أوصاف ومميزات خاصة على قومه المشركين وكلفه لتبليغ دين الحق إليهم والى الناس أجمعين. وتخبرنا الآية الكريمة عن تكليفه بالوحي والنبوة:
( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا(54) ( النساء)
وتوضح الآية أيضا منحه " الكتاب والحكمة" لمن سيخلفه من صلبه من بعده.
وتخبرنا آيات أخرى عن نزول " الصحف" عليه:
( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(17)إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى(18)صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى(19) ( الأعلى)
( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(37)أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38)وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى(39) ( النجم)
فقبل نزول التوراة على سيدنا موسى ( ع)، أنزلت " الصحف" على سيدنا إبراهيم ( ع) وفيها أسس وأحكام وقواعد دين " الحنيفية". وقد ورد عن سيدنا رسول الله ( ص) في هذا الخصوص:
" عن أبي ذر ( رض) قال دخلت على رسول الله ( ص) وهو في المسجد، فأغتنمت خلوته فقال لي " يا أبا ذر إن للمسجد تحية" قلت وما تحيته؟ قال " ركعتان تركعهما". قلت يا رسول الله هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟. قال " يا أبا ذر، ( قد أفلح من تزكى)... حتى بلغ ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى.). قلت يا رسول الله وما كانت صحف إبراهيم وموسى؟. قال " كانت عبرا كلها،: عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها! عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب. عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل!".) (1)
يظهر من الخارطه أعلاه، مسار النبي إبراهيم ( ع)، رسم بخطوط متقطعة حمراء، على ضوء الحقائق التاريخية، حيث خرج من مدينة ( أور) وطاف في الأرجاء حتى وصل مكة المكرمة.
بقايا لأبنية سكنية ظهرت إثر الحفريات خارج أسوار مدينة( أور) الأثرية –2000 ق.م- ويقول المؤرخون أن إبراهيم ( ع) عاش في مثل هذه الدور السكنية الظاهرة هنا.
1 الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان، سورة الأعلى،860.



إن جميع الأنبياء والمرسلين على مر التاريخ، دعوا البشرية إلى معرفة الله تعالى والإيمان به وتنزيهه وتوحيده وقبول عبوديتهم له دون شريك. وقاموا بتبليغ رسالة ودين الله، وكانوا نماذج وأمثلة للإقتداء بهم في طرز معاشهم وأخلاقهم وتصرفاتهم تجاه حوادث الدنيا ومستلزمات الحياة، وردود أفعالهم تجاه ما يجري على الأرض. وكذلك بشخصياتهم الفذة وشيمهم الكريمة. والأنبياء كما كانوا أمثلة صالحة للأقوام الذين تقاسموا العيش معهم، فأنهم – وكما جاء في القرآن من ذكر ميزاتهم وخصائصهم الفريدة – أيضا قدوة لجميع أهل الدين والإيمان وعلى مر الدهور والأزمان. وفي هذا جاء قوله تعالى
رد مع اقتباس























في قوله تعالى ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69) (الأنبياء)، يخبرنا تعالى أن النار لم تؤذ سيدنا إبراهيم ( ع) مطلقا، وهكذا خاب فأل الكافرين واسقط في أيديهم ولم ينله أذى أو سوء. وفي هذه الآية إشارة وتلميح لنا ونحن وفي أيامنا هذه. ( ... الله أعلم ...).


هذا التصرف الغريب من الضيوف تجاه مضيفهم رغم ما أظهره من كرم وحسن استقبال وضيافة، أوجد لديه بعض الشكوك واقتنع أن وراءهم أمر جلل. وهنا أظهر هؤلاء الملائكة الذين تقمصوا صورة بني البشر، أدبا جما وتصرفا لائقا معه، مما زاد من حيرته معهم. وأخيرا كشف الضيوف عن هوياتهم الحقيقية وفاجأوه بإخباره البشارة بولادة خلف له:
اعتبر سيدنا إبراهيم ( ع) هذا الخبر المفرح معجزة كبرى، وعندما سألتهم زوجته كيف يتسنى لها أن تلد وهي بهذا العمر، جاءها الجواب: ( قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(30) (الذاريات). وفي آية أخرى يذكر الله حيرة إبراهيم وزوجته والتي ما كان لها أن تحصل:
كان الخبر الأول الذي جاء بها الرسل إلى سيدنا إبراهيم ( ع)، البشارة بولادة طفل له سوف يكون من الصالحين. والخبر الآخر هو عن هلاك وفناء قوم لوط ( ع) الذي كان قد آمن معه ( كان سيدنا لوط ( ع) قد أرسله الله إلى قوم يعملون الخبائث، لإرشادهم إلى الهداية وترك هذه العادة القبيحة – إتيان الذكور دون الإناث-. وكان قد عاصر سيدنا إبراهيم ( ع) وعاش في نفس المنطقة الجغرافية. ( سنورد تفاصيل عن حياته وسيرته في القسم الثاني من الكتاب).
ذكر لنا القرآن قيام نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل ( ع) برفع قواعد الكعبة المشرفة، وهي أول بيت وضع للناس لعبادة الواحد الأحد. وتقع في مدينة المكة المكرمة في أرض العرب. وهي أول بيت وضع للناس ..." وفيها " مقام إبراهيم..." كما جاء الخبر في الآيات القرآنية:
لقد أمرهما الله بتطهير الكعبة. وهذا يتحمل معنى فعليا وماديا كما يعني تطهيرا معنويا أيضا، ولعله يعني الاثنين معا، أي إبعاد الأدران والأوساخ عن بيته ومنع دخول رموز الكفر والشرك إليه وما يأتي بها المشركون من آثام. وجاء خبر بناء الكعبة في الآية :
ويناجيه بأسمائه الحسنى.

ويقول المفسر الآخر " عمر نصوحي بيلمن" عن هذا الامتحان الذي تعرض له سيدنا إبراهيم ( ع) مع ولده: ( استجاب نبينا إبراهيم ( ع) وولده إسماعيل ( ع) لأمر الله وسلما أمريهما إليه، وحينئذ قام سيدنا إبراهيم ( ع) باتخاذ الخطوة الأخيرة " أسلم وتله للجبين" معتبرا ما جاءه في الرؤيا وحيا من ربه، واجب التنفيذ. ولكن ربه أدركه برحمته وأخبره أنه قد صدق الرؤيا، ومثنيا على ما أبداه من الصبر والطاعة. وهكذا استدركته رحمة الرحمن واستبدل فداء ولده بغنيمة يقوم بذبحها، وأنقذته من هذه التضحية العظمى" (6)



وقد اختار الله سيدنا إبراهيم ( ع) ومن بعده أولاده للقيام بدعوة الناس إلى الإيمان وتبليغ رسالة الله وأوامره ونواهيه إليهم، وذكر قدرة الله وحكمه على المخلوقات. وفي الآية: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(26) (الحديد) ذكر لتشريفه وأولاده من بعده بالنبوة وحمل الرسالة.
إن صفاء القلب ونقاء السريرة عند المؤمن معناه ترك جميع ما يعتمده الشيطان من وساوس وريب وأفكار مسمومة يحاول زرعها في نفس المؤمن. وفي هذا يقول تعالى: ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179) آل عمران)، والطيب هنا يشمل طهر النواحي المعنوية والروحية حصرا.
كان سيدنا إبراهيم ( ع) نبيا من الأنبياء المختارين من الله، يلتزم بأوامر ربه ولا يعمل شيئا إلاّ ويبتغي من ورائه مرضاته وزيادة تقربه منه وتعلقه به وانتمائه إليه وحده. يخشى ربه، ويعتمد ويتوكل عليه، مسلما أموره جميعها إليه. واجه جموع قومه وحده. دعاهم إلى وحدانية ربه وعبادته، مبديا من القوة والشجاعة النابعة من إيمانه العميق واطمئنانه وثقته بربه ما جعله يستمر في تبليغ دعوته بقرار ثابت لا يتزعزع.
( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِي(152)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) (البقرة)
إن الإنسان المؤمن يعلم أن حكمة الله تعالى تتجلى في مثل هذه الحوادث والوقائع التي يتعرض لها أحيانا. وأنه معرض للامتحان والاختبار ليظهر مدى صبره وقوة إيمانه على مواجهة الملمات في حياته. ويعده ربه لقاء ما يبديه من حسن التصرف والخلق العالي، أحسن الجزاء وأجمل الجوائز، وكما جاء الخبر في آيات القرآن الكريم:-
( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) (البقرة)
ويخبرنا القرآن أن هذه الصفات العالية كان يمتاز بها الأنبياء جميعا. ويقول عن نبي الله شعيب ( ع) الذي أرسله الله إلى قوم مدين ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(87) ( هود).
( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) (يوسف)









ورد في الآيات خبر هجرة أنبياء الله إبراهيم ولوط ( عليهما السلام) بأمر من الله، ثم استقرارهما في أرض طيبة مباركة. ويخبرنا القرآن أيضا النهاية السعيدة لهذين الرسولين الأكرمين وكذلك ذرياتهما من بعدهما:-

لقد بحثنا في هذا الكتاب عن بعض الخصائص والمميزات والمواقف في حياة وخصال النبي المختار سيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط ( ع) وذكرنا ما كانا يتمتعان بها من شيم ومكارم، من الإيمان العميق بالله والثقة والاطمئنان إليه وحكمه بشكل مطلق، والتسليم إليه والتوكل عليه في جميع شؤونهما وأمورهما، وأخلاقهما الحميدة وسعيهما الحثيث وبذلهما الجهود لهداية مجتمعاتهما وأقوامهما، والدعوة إلى معرفة الله وتوحيده وترك عبادة الأوثان والإشراك بالله والكفر والانحراف والسيئات من الأعمال والمكابرة والطغيان، معتمدين على آيات القرآن الكريم ومستشهدين ببعض الأحاديث النبوية والتفاسير. لقد أظهر سيدنا إبراهيم ( ع) عند قيامه بتبليغ الرسالة الربانية لقومه المشركين، الإيمان الثابت الراسخ والحكمة البالغة والصبر الجميل أمام قومه وما أظهروه وجابهوه من عنت وإصرار على الكفر ووضع العراقيل والمصاعب أمامه. كما قام سيدنا لوط ( ع) بدعوة قومه وبصبر وأناة وباستمرارية وثبات لا يلين، إلى عبادة الواحد الأحد والابتعاد عن عمل المنكرات وترك الرذائل وما كانوا عليه من شذوذ وانحراف وتفسخ خلقي رهيب. هؤلاء الخيرّون من عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لحمل رسالته إلى البشرية، أظهروا من الصبر والثبات على الإيمان ما جعلهم يكسبون رضا الله عنهم ونالوا جزاء ذلك من ربهم النصر والحماية والمقام الرفيع في حياتهم الدنيا، والخلود في نعيم جنانه في الحياة الآخرة.
أنبياء والرسل المكرمين أمثلة يحتذى بهم ونماذج يقتدى بهديهم من أولى الأهداف وغايات المؤمنين المخلصين لدينهم ليستحقوا نيل صفة عباد الرحمن الذين وصفهم الله في قرانه، الموحدين له والمتقين الخاشعين. ويبشرهم رب العالمين في سورة النساء :-
مواقع النشر (المفضلة)