منتديات البراق الإسلامية - Powered by vBulletin

قبسات من سياسات الجيش الاسلامي في العراق

  • 12-29 د.إبراهيم الشمري الناطق الرسمي باسم الجيش الإسلامي في العراق/ذكريات أبي رغال
  • 30-12 الجيش الإسلامي في العراق / وقفة الأبطال
  • 3-7 الجيش الإسلامي في العراق/ يا إخوتاه ... رويدكم


 
 
النتائج 1 إلى 8 من 8
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504

    سيدنا إبراهيم " عليه السلام"و سيدنا لوط " عليه السلام"

    المدخل:
    إن جميع الأنبياء والمرسلين على مر التاريخ، دعوا البشرية إلى معرفة الله تعالى والإيمان به وتنزيهه وتوحيده وقبول عبوديتهم له دون شريك. وقاموا بتبليغ رسالة ودين الله، وكانوا نماذج وأمثلة للإقتداء بهم في طرز معاشهم وأخلاقهم وتصرفاتهم تجاه حوادث الدنيا ومستلزمات الحياة، وردود أفعالهم تجاه ما يجري على الأرض. وكذلك بشخصياتهم الفذة وشيمهم الكريمة. والأنبياء كما كانوا أمثلة صالحة للأقوام الذين تقاسموا العيش معهم، فأنهم – وكما جاء في القرآن من ذكر ميزاتهم وخصائصهم الفريدة – أيضا قدوة لجميع أهل الدين والإيمان وعلى مر الدهور والأزمان. وفي هذا جاء قوله تعالى
    ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21) ( الأحزاب)
    ويقدر القرآن مميزات كل نبي وبكثير من التقدير والاعتزاز. لذا فإن على المؤمنين إدراك ذلك والانتباه إلى النواحي المضيئة والمنيرة من أوصاف الأنبياء، ويستخلصوا الدروس والعبر من تفاصيل حياتهم وسيرهم للإقتداء بها وجعلها دليلا في الحياة. ويلاحظ أن لكل نبي أسلوبه الخاص في دعوة قومه إلى الهداية ومعرفة الخالق سبحانه.
    إن لصفات وخصائص الأقوام الذين عاش الأنبياء بينهم، تأثيرا مباشرا وواضحا في طريقة قيامهم بتبليغ الرسالة الربانية. كما وإن تأثير ردود أفعال أقوامهم وإجراءاتهم على الأنبياء ومن اتبعوهم من المؤمنين والمصاعب والعوائق التي وضعوها أمامهم، والتصرف الذي صدر تجاهها من الأنبياء علامات إرشادية وأضواء ومعالم على الطريق كما هي تجارب فذة لنا لأخذ الدروس والعبر منها.
    إن الهدف والقصد من هذا الكتاب، تقديم حياة سيدنا إبراهيم ( ع)، ونبي الله لوط ( ع) الذي عاصره، وكما جاء في الآية:-
    ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(4) ( الممتحنة)
    من مديح وثناء، وإبراز الخصائص العالية في حياتهما لتكون عبرة وقدوة حسنة للمؤمنين. ومما لاشك فيه أن كل خلق أو شيمة لسيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط( ع) التي ورد ذكرها في القرآن، عبر وحكم لا عد لها. وهذا ما سنحاول الدخول في تفاصيلها واستخلاص ما تتضمنها هذه الحكم من أمور وحقائق تنير لنا طريقنا ونقتبس منها ما يفيدنا للمضي على هداها في طريق الحياة.
    هارون يحى

  • #2
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    الكتاب الأول : سيدنا إبراهيم ( ع )

    خصائص قوم سيدنا إبراهيم ( ع )
    يذكر القرآن الكريم أن أول نبي هو سيدنا آدم ( ع)، والذي جاء ذكره من بعده هو سيدنا نوح ( ع). أما سيدنا إبراهيم ( ع) فيذكره القرآن باعتباره من سلالة سيدنا نوح ( ع) وعاش في فترة زمنية بعده
    ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ(83) (الصافات)


    ( أور - نمو ( 2112 – 2092 ق.م )
    بنى زقورة أور وخصصها لعبادة القمر
    ومدينة أور كانت من أشهر المدن السومرية
    كما تذكر مسلة حمورابي)
    والأنبياء من صلب سيدنا إبراهيم ( ع) هم الأنبياء الكرام، اسحق وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وزكريا ويحيى والمسيح ( عليهم السلام أجمعين).
    لقد عاش سيدنا إبراهيم ( ع) – كما يذكر ذلك لنا القرآن الكريم – في منطقة الشرق الأوسط وفي إقليم ما كان يعرف بما بين النهرين ( ميزوبوتاميا – وما يعرف بالعراق الآن) وهذا ما تؤكده أيضا المصادر التاريخية. وفي تلك العهود كانت الأقوام والمجتمعات في هذه المنطقة من عبدة الأوثان والأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم، أو يعبدون الأجرام السماوية أو الشمس أو القمر. وقد ظهرت معالم وآثار مندثرة كثيرة لمباني وهياكل عظيمة تسمى " الزقورات" كانت مخصصة لعبادة الشمس والقمر، خرجت إلى الوجود من تحت الأتربة والأنقاض على إثر التنقيبات في الشرق الأوسط. وكما ظهرت أيضا تماثيل وأصنام من الحجر أو الصلصال المفخور نتيجة هذه الحفريات.
    هذه الحقائق التاريخية الثابتة تؤكد وتدل على أن الأقوام والمجتمعات التي عاش فيها سيدنا إبراهيم ( ع) كانت من عبدة الأوثان، وإن المنطقة بعمومها كانت ديارا للمشركين.

    لقد اختار الله سيدنا إبراهيم ( ع) وشرفه بالنبوة وكلفه بحمل أمانة تبليغ الرسالة. وقام هذا الإنسان الصالح بتبليغ الرسالة على أكمل وجه وقدم لقومه أمثلة للأخلاق الحسنة وحسن التصرف ولين الجانب رغم ما أمتاز قومه من غلظة وفظاظة وقسوة وظلم وجبروت. وكما ذكر ربنا سبحانه في القرآن فقد كان قوم إبراهيم يصنعون أصناما وأوثانا وتماثيل من الحجر والخشب بأيديهم، ويتخذونها بعد ذلك آلهة لهم يعبدونها من دون الله. وكانوا يهابون ويخشون هذه الهياكل الصماء التي نحتوها هم من الحجر أو صنعوها من الخشب والطين بأيديهم، ويقدمون لها مظاهر التقديس والتعظيم طمعا في كسب رضاهم كما كانوا يعتقدون، ولوقايتهم من إصابتهم بالسوء والشر وينتظرون منها العون والمدد. والعجيب أنهم كانوا يصرون على مواقفهم الباطلة هذه، ويقلدون بدون بصيرة ما وجدوا عليها آباءهم ودون تفكير أو

    وكما قلنا، عاش سيدنا إبراهيم ( ع) بين قومه الذين كانوا على الشرك وعبادة الأوثان، وكان آباؤه وأجداده أيضا على هذا الدين. وقد نشأ بينهم وأخذ من ثقافتهم وتعلم آراءهم. غير أنه أظهر من الأخلاق الحسنة والشيم العالية والسلوك القويم في حياته ما جعله يختلف عنهم ويعزف عن مسارهم. وأخيرا قطع ما بينه وبينهم من وشائج بإعلانه إيمانه بالله وحده دون شريك له. ولم يكتف بالإعلان عن إيمانه هذا، بل وصرح بكفره بأصنام قومه، وقام بدعوتهم إلى ترك عبادتها والتخلي عن دين آبائهم وسلوك طريق الواحد الأحد.
    دراية، بل وينقلون هذه العقائد المنحرفة إلى الأجيال من بعدهم كميراث.
    وقد أوحى الله سبحانه إلى سيدنا إبراهيم ( ع) أنه خالق الكون وما فيها، ومبدع الأرض وما عليها والسماوات وما بينهما، وأن الناس على ضلال وظلمات وجهالة وانحراف. أما قومه فقد أرادوا منه أم يفكر مثلهم ويعيش كما كان يعيش أجدادهم من قبل. ولكنه أدار ظهره لهم والتفت بوجهه عن آلهتهم وكفر بأوثانهم وسفه آراءهم السقيمة، وآمن بالله الذي لا إله غيره.
    وقد كشف الله أمام بصره وبصيرته آياته الباهرات في السماوات والأرض ليزيد من يقينه ويقوي فيه الإيمان:
    ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ (75) ( الأنعام)

    تظهر الحفريات في منطقة ما بين النهرين، العديد من الآثار
    واللوحات تظهر عبادة هذه الأقوام للأصنام أو الأجرام السماوية. وهذه الصورة تظهر ملك آشور ( توكولتي – نينورتا-1243-1207 ق.م) راكعا أمام إله النار ( نوسكو) الذي ظهر على شكل عرش فارغ منه ).
    ولكن قومه لم يؤمنوا بالحقائق التي ذكرها لهم ودعاهم إليها، وكانت حجتهم أنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم على هذا الدين الذي هم عليه:
    ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ(170) ( البقرة)
    من الأمور التي كانت تمنع قومه من ترك دينهم ودين آبائهم، هو الإصرار على السير في الطريق الذي وجدوا أكثر الناس ملتزمين به وتوارثوها من آبائهم وأجدادهم، رغم فساد العقيدة والانحراف الظاهر فيه. ويعتبرون من غير الصواب مناقشة أو محاكمة أي رأي جديد مناقض لآراء الأكثرية أو يريد تغيير ما هم عليه. هذا الموقف أو التصرف يحذرنا منه القرآن الكريم:
    ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ(116) ( الأنعام)
    أما سيدنا إبراهيم ( ع) - مثله كمثل كافة الصالحين من المؤمنين- فقد كان بعيدا كل البعد عن مواقف المشركين والمنحرفين وآرائهم الزائفة. وقد التزم جانب الحق والصواب رغما عن أهله وعشيرته ووقف أمامهم بصلابة شديدة، لم تثنه المصاعب والضغوط الكثيرة التي تعرض لها من قومه.
    الإنعام بالنبوة على سيدنا إبراهيم ( ع )

    إن المجتمعات والأقوام الذي أداموا وحافظوا على حضاراتهم ومدنياتهم لابد وأنهم تبلغوا برسالات السماء التي تدعو إلى معرفة الله وتوحيده وعبادته، والاعتراف بعظمته وعلو شأنه وقدرته وجبروته، والإيمان باليوم الآخر والحساب، وما يطلبه الرب من عباده من التزامات وواجبات ومهام. والقرآن أخبرنا عن هذه الحقيقة في الآية:
    0 وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(36) ( النحل)
    لقد اختار الله تعالى رسله وأنبياءه واجتباهم لما يتصفون به من خصائص ومميزات من دونهم من البشر. فهم فعلا مميزون عن محيطهم والناس من حولهم بقوة شخصياتهم وسمّو أخلاقهم آدابهم وتصرفاتهم التي تصلح بمجموعها أن تكون أمثلة للإقتداء. وكذلك فهم مختلفون عن أقوامهم المنحرفين عن جادة الحق والصواب، وميزهم نزول الوحي عليهم دون سائر الناس، ويقول فيهم القرآن الكريم:
    ( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163) ( النساء)
    إن نزول وحي الله على الرسل والأنبياء وقيامهم بإبلاغ ما أوحي إليهم إلى الناس لطف ومنة من الله سبحانه. إذ بفضله توجه الناس إلى الهداية والإيمان وعرفوا معاني الأخلاق الحميدة وتعلموا العبادات وتفاصيل دين الله.
    قال رسولنا الأكرم ( ص):
    ( إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليّ أبي وخليل ربي.) : ثم قرأ ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين أمنوا والله وليّ المؤمنين.)
    ويخبرنا الله في القرآن عن تكليفه الرسل والأنبياء بإبلاغ الناس عن الصالحات من الأعمال:
    ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73) ( الأنبياء)
    لقد عاش الأنبياء حياة مثالية وقاموا بتبليغ رسالات الله وأوامره ونواهيه بكل أمانة وكمال صورة. متوخين نيل رضا الله ورحمته والفوز بنعيم جناته.
    إن النبوة مقام شريف رفيع المكانة يستحقها من عباده من كان تقيا ومختارا من عند الله تعالى. وكانت النبوة من نصيب سيدنا إبراهيم ( ع) بعد اجتيازه امتحانا عسيرا وتجربة محددة. ويحدثنا القرآن عن هذا الاختبار في قوله تعالى:
    " وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124) ( البقرة)"
    وكما هو موضح في الآية، فإن سيدنا إبراهيم ( ع) قد اجتاز كل هذه الاختبارات بنجاح وأثبت كونه عبدا مطيعا لربه وأمينا على الالتزام بأوامره ونواهيه. ولعل هذه من صميم واجبات كل مؤمن أيضا، إذ عليه الاستجابة بشكل كامل وبصورة مطلقة لله تعالى وأوامره. ولنا من سيدنا إبراهيم ( ع) القدوة الحسنة في الإطاعة والتسليم الكامل لربه وبجميع مقدراته وأوامره دون أي تردد أو تماهل.
    إن سيدنا إبراهيم ( ع) من عباد الله الصالحين والمختار لحمل رسالته إلى الناس كافة منذ سنين شبابه الأولى ( سورة الأنبياء 60) لما امتاز به من أوصاف ومميزات خاصة على قومه المشركين وكلفه لتبليغ دين الحق إليهم والى الناس أجمعين. وتخبرنا الآية الكريمة عن تكليفه بالوحي والنبوة:
    ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا(54) ( النساء)
    وتوضح الآية أيضا منحه " الكتاب والحكمة" لمن سيخلفه من صلبه من بعده.
    وتخبرنا آيات أخرى عن نزول " الصحف" عليه:
    ( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(17)إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى(18)صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى(19) ( الأعلى)
    ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى(37)أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(38)وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى(39) ( النجم)
    فقبل نزول التوراة على سيدنا موسى ( ع)، أنزلت " الصحف" على سيدنا إبراهيم ( ع) وفيها أسس وأحكام وقواعد دين " الحنيفية". وقد ورد عن سيدنا رسول الله ( ص) في هذا الخصوص:
    " عن أبي ذر ( رض) قال دخلت على رسول الله ( ص) وهو في المسجد، فأغتنمت خلوته فقال لي " يا أبا ذر إن للمسجد تحية" قلت وما تحيته؟ قال " ركعتان تركعهما". قلت يا رسول الله هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟. قال " يا أبا ذر، ( قد أفلح من تزكى)... حتى بلغ ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى.). قلت يا رسول الله وما كانت صحف إبراهيم وموسى؟. قال " كانت عبرا كلها،: عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها! عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب. عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل!".) (1)

    يظهر من الخارطه أعلاه، مسار النبي إبراهيم ( ع)، رسم بخطوط متقطعة حمراء، على ضوء الحقائق التاريخية، حيث خرج من مدينة ( أور) وطاف في الأرجاء حتى وصل مكة المكرمة.

    بقايا لأبنية سكنية ظهرت إثر الحفريات خارج أسوار مدينة( أور) الأثرية –2000 ق.م- ويقول المؤرخون أن إبراهيم ( ع) عاش في مثل هذه الدور السكنية الظاهرة هنا.
    1 الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان، سورة الأعلى،860.

  • #3
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    دين سيدنا إبراهيم ( ع
    لقد اختلف الناس ودخلوا في جدال حول دين سيدنا إبراهيم ( ع) فاليهود يدعون أنهم وحدهم أصحابه والسائرون على دينه والملتزمون بطريقه. والنصارى مع قبولهم رأي اليهود، إلا أنهم يعتبرونه تابعا لسيدنا المسيح ( ع) الذي جاء بعده، ويختلفون في هذا مع اليهود.
    وخلاصة القول أن اليهود يعتبرون سيدنا إبراهيم " يهوديا" والنصارى " مسيحيا". والقرآن يقول كلمته في من يدعون بدون علم:
    ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(140) ( البقرة)
    وفي آيات أخرى تسفيه لآراء اليهود والنصارى وجدالهم حول دين سيدنا إبراهيم:
    ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(65)هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(66) ( آل عمران)
    إذن، فالقرآن هو الذي يقول لنا ويخبرنا عن القول الفصل الصحيح لأنه كتاب الله الوحيد الذي لم يدخله تزييف أو تحريف أو تبديل. وإذا ما أتبع الناس سبيلا أو حكما غير القرآن، فسوف يقعون في الأخطاء وينحرفون عن الصواب. والناس عادة لا يتورعون أو يتوانون عن إعطاء رأيهم أو التعبير عن أفكارهم عما ورد وبكثير من التوضيح والتفصيل بين آيات القرآن الكريم. أما المؤمنون فإنهم متمسكون بكلام الله وما ورد فيه، وما جاء في السنة النبوية فيما يخص موضوع سيدنا إبراهيم ( ع) مثل غيره من المواضيع الأخرى، ويعتبرون الدخول في مناقشات وجدال فيما يخص الأنبياء ( ع) من اختلافات لا طائل من ورائها لأنها ضرب من التخمين والدوران حول الشبهات، وهذا ما لا يرضى عنه الله. ومما لاشك فيه أننا نتعرف على الحقيقة المطلقة عن سيدنا إبراهيم ( ع) من آيات الذكر الحكيم التي هي دلائل رحمة للناس، وإرشاد المؤمنين إلى الحق المبين.
    " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(67) ( آل عمران)"
    والقرآن يقرر بشكل قاطع ودون شك أو تردد أو احتمال حقيقة دين إبراهيم ( ع)، وهو ( الحنيفية) التي تعني " التسليم لأوامر الله وحده والتمسك بدينه المبين دون غيره، والإخلاص له دون قيد أو شرط". وتأتي صفة " الحنيفية" لأن سيدنا إبراهيم ( ع) قد وجد ربه واهتدى إليه آمن به دون شريك له.
    في آية من القرآن يأمر الله نبيه محمد ( ص) باتباع دين أبيه إبراهيم:-
    ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ(123) ( النحل)
    كما يريد الله من الناس أن يكونوا حنفاء لله وحده، لأن الوحدانية هي الفطرة الإنسانية المقبولة والملائمة للناس:-
    ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(30) ( الروم)
    وترد " الحنيفية" كتعريف بدين إبراهيم ( ع)، وهي في حقيقتها تتطابق تماما مع الإسلام. وفي حقيقة الأمر، فإن جميع الأديان الحق هي الدعوة إلى معرفة الله والإيمان به وعبادته وإظهار الطاعة له وحده، ثم العمل لنيل رضاه وكسب نعيمه، هذا إذا لم يكن الانحراف قد دخله أو شابته الشوائب في أوقات وأزمنة لاحقة. هذا الدين الحنيف التزم به من بعد إبراهيم ( ع) أبناؤه وأحفاده ومن جاء من أصلابهم، وحاولوا الاحتفاظ به. وهنا نجلب الانتباه إلى قول يوسف ( ع) وهو في ظلمات السجون مع من معه، الذي يذكر أنه من صلب جده إبراهيم ( ع) ولا يزال على دينه:
    ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى

    " صورة لختم أسطواني مفخور من العصر التاسع أو الثامن قبل الميلاد، تظهر مراسيم عبادة " آلهة!" آشور. والآشوريون كانوا أقوى دول منطقة ما بين النهرين خلال الأعوام 1900- 612 قبل الميلاد. وكانت لهم عقائد وثنية منحرفة وآلهة عديدون أكبرهم – آشور-). النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) ( يوسف)
    لقد احتفظ هؤلاء " الأحناف" بعقائدهم في التوحيد ونبذ الشرك بالله أينما كانوا وفي أي عصر عاشوا فيه، مقتربين كثيرا من عقيدة الإسلام. ومن المعروف أن الأنبياء جميعهم اشتركوا في تأدية الأمانة وإنجاز الواجب الأول والأهم لهم وهو نشر فكرة وعقيدة التوحيد ومحاربة الشرك والدعوة إلى نبذ الأخلاق الفاسدة، والتحلي بالفضائل والمكارم. وقد جاء تأكيد هذه الأسس والمبادئ في دعوة الرسول ( ص) إلى الابتعاد عن كل مظهر من مظاهر الشرك بالله في قوله ص:عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله ( ص) أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله ندا وهو خلقك." (2)
    وفي آية يذكر القرآن أن دين الإسلام دين يسر مثل دين سيدنا إبراهيم:
    ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78) ( الحج)
    وكما يفهم من الآية فإن لفظة " المسلمون" أطلقت على أتباع سيدنا إبراهيم ( ع) ومن هم على عقيدته في التوحيد ونبذ الشرك ومحاربته. وكما هو معروف في اللغة فإن كلمة " المسلمون، الإسلام" مشتقة من مصدر " السلام" أي الدخول إلى الأمان والتسليم لله وحده. وهذا صلب ما يبتغيه ويهدف إليه الدين الإسلامي وهو التسليم لله رب العالمين كليا والشعور بالأمان والسكينة والاطمئنان الإيماني. ولعل في سيرة الأنبياء الكرام خير قدوة ودليل لنا في تسليم أنفسنا وأمورنا جميعها لرب العالمين، هؤلاء الرسل الكرام الذين أسلموا لله تعالى واستعاذوا به والتجئوا إليه وطلبوا منه وحده العون والمدد، مظهرين محبتهم له وسخروا حياتهم في سبيله. وهذا ما يدل عليه وصفهم في القرآن جميعهم بـ " المسلمين". وكما ورد في الآية، مخاطبا سيدنا نوح ( ع):
    ( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(72) ( يونس)
    وفي السورة نفسها خاطب قوم موسى:
    ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ(74) ( يونس)
    وأيضا قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان ( ع) لقوم سبأ:
    ( أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(31) ( النمل)
    ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78) ( الحج)
    وفي سورة المائدة جاء الوحي الإلهي إلى الحواريين:
    ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ(111) ( المائدة)

    ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(67) ( المائدة)
    هذه الآيات جميعها تظهر مجمل أخلاق المؤمنين الصالحين من التسليم لله تعالى، والتمسك بآداب الدين والإخلاص له، وشر فهم الله بإطلاق اسم " المسلمون" عليهم.
    ولنا في دعاء سيدنا يوسف ( ع) مثال جميل، الآية:
    ( قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10) ( يوسف)
    وقد وردت آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر فضائل سيدنا إبراهيم ( ع) وجميل خلقه وحسن تصرفاته وإيمانه العميق بربه وطاعته وقبول أوامره برحابة صدر واطمئنان. وهذه بعض منها:
    ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ( البقرة)
    ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) ( البقرة)
    إن على كل مسلم مؤمن أن يتخذ من أخلاق سيدنا إبراهيم ( ع) وقوة إيمانه وتسليمه وتوكله على ربه،المثل الأعلى والقدوة الصالحة. وتأتي في مقدمة أخلاقه وشيمه العالية، الثبات والعزم والصبر والتمسك بالعقيدة – وأسلوبه ( ع) في تبليغ رسالته، ومجمل تصرفاته في هذا الشأن.
    لقد أكدت الآيات التي أوردناها إلى حقيقة كون سيدنا إبراهيم ( ع) المثال والقدوة لجميع المؤمنين في كل زمان ومكان. مثله مثل بقية الأنبياء والمرسلين الذين آمنوا بالحنيفية واسلموا لله. وهذا يأخذنا إلى أساس ومصدر جميع الأديان التي تمتد إلى دين إبراهيم ( ع). غير إن الأديان مثل المسيحية واليهودية دخلتها العقائد الشاذة والآراء المنحرفة وزاغت عن مصدرها النقي بمرور الأزمان والأحداث، وابتعدت عما جاء في التنزيل الأول والوحي الإلهي الذي كان ولا يزال يستهدف نشر التوحيد والقضاء على الشرك بالله الذي يعتبر رأس السيئات كلها، والتوجه إلى الهدف والغاية العظمى من الحياة ألا وهي معرفة الله تعالى وإدخال محبته إلى القلوب والترابط معه والتقرب إليه.
    إن الشعور بالحب والتعلق والانتساب إلى سيدنا إبراهيم ( ع) لدى اليهود والنصارى هو ما يوحدهم مع المسلمين في هذا الهدف المحدد. والأديان السماوية الثلاثة تشترك في الاعتقاد والإيمان بالله والعبودية له كما أراده سيدنا إبراهيم ( ع) من الناس أن يفعلوه تماما. لذا يمكننا اعتباره ودينه الحنيفية الأساس المشترك لنا نحن المسلمين مع أهل الكتاب. ( مع الأخذ بالاعتبار دائما ما قاموا به من تأويل وتفسير وتحريف في دين إبراهيم ( ع)). وفي آية يدعو القرآن المسلمين وأهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء المشتركة:
    ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(64) ( آل عمران)
    " قيام سيدنا إبراهيم ( ع) بتبليغ دينه"

    " كانت شعوب منطقة ما بين النهرين يعبدون الشمس أو القمر. وكان حاكم أكد الملك نارام-سين يعتقد بربوبية القمر وينتظر منه الدعم والإسناد له. وفي الصورة نارام-سين وهو يؤدي مراسيم عبادة دينه المنحرف، على نقش في مسلة حجرية تمثل ملحمة إحدى انتصاراته." لقد كلف كل نبي بمهمة الدعوة وتبليغ الرسالة وأوامر الله إلى الناس. فالأنبياء جميعهم أرسلوا لإرشاد الناس إلى معرفة الله وتوحيده ونشر المكارم والفضائل والعيش بموجب ما يأمر به الله ويطلبه من عباده. فقد أرسل نوح ( ع) إلى قومه،وصالح إلى قوم ثمود، وشعيب إلى قوم مدين، كما أرسل موسى وعيسى إلى بني إسرائيل. غير أن هؤلاء قلما وجدوا الاستجابة، وواجهوا الصد والمقاومة من قومهم، حيث ضيقوا عليهم وفتحوا معهم أبواب الصراع والصدام، واتهموهم وافتروا عليهم وكذبوهم وهددوهم ولجأوا إلى أساليب خبيثة معهم. حتى وصل بهم الحال إلى معاملة هؤلاء الأطهار الشرفاء المبعوثين من لدن الله بكل قسوة وعنف إما بطردهم ونفيهم أو التهديد بقتلهم. ويذكر القرآن في سورة الأنفال كيف رد الله كيد الكافرين وتآمرهم على سيدنا رسول الله ( ص):
    ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30) ( الأنفال)
    وكما سبق وذكرنا في القسم الأول من هذا الكتاب كيف إن قوم إبراهيم ( ع) كانوا يعبدون أوثانا وأصناما صنعوها بأيديهم من الحجارة أو الخشب وظلوا لها ساجدين عابدين، ينتظرون منها العون والمدد، وتمسكوا بهذه العقيدة المنحرفة الفاسدة التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم. ولكن سيدنا إبراهيم ( ع) كان من الإيمان العميق بربه والتوكل التام عليه وحده مما أمكنه من الوقوف وحده أمام طغيانهم وعنادهم.
    لقد كانت ( الأكثرية) في أمم وشعوب مختلفة، تعني السيطرة والتحكم. وهذه الظاهرة برزت على مر التاريخ. وقد كانت عقيدة وأفكار ( الأكثرية) هذه تجبر الجميع على الالتزام بها، باعتبارها الأساس السليم الصحيح. ولهذا فإن الوقوف أمام الأكثرية في المجتمعات الجاهلية أمر في غاية الصعوبة. ويبقى الكثير من الناس في هذه المجتمعات تحت تأثير وضغط الأكثرية رغم احتمال اختلافهم معهم فيما يحملونها من عقائد وأفكار صائبة وصحيحة، وينصاعون – رغما عنهم – لقبول عقائد وآراء الأكثرية المنحرفة. غير أن الأنبياء ومن اتبعوهم وآمنوا بهم من صالح المؤمنين ليسوا كهؤلاء. لقد واجهوا بعزم وقوة وثبات الأكثرية الجائرة ووقفوا أمامهم وأظهروا من المقاومة والكفاح وبذل الجهود وتحمل المشاق والمصاعب والشجاعة والإصرار على نشر أوامر الله نواهيه والتمسك بدينه بإخلاص وتفان. كل هذا بسبب إيمانهم بربهم والخشية منه وحده، والاعتماد عليه والاطمئنان إلى نصره لهم.
    لقد واجه سيدنا إبراهيم ( ع) قومه المشركون لوحده.
    وقد أثنى عليه الله تعالى في الآية : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) ( النحل)"
    حينما تحدى قومه وعلى رأسهم أباه أيضا. وكان ينصحه بترك عبادة الأوثان وأن الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة والعبودية له هو الله تعالى رب السماوات والأرض وخالق الأكوان، وليس هذه الأصنام التي كان ينحتها بيديه من أشياء جامدة كالحجر والخشب... وبهذه الطريقة السهلة والأسلوب اللطيف والدعوة الهادئة والصبر، قام سيدنا إبراهيم ( ع) بدعوة قومه كذلك لأتباع دينه وعبادة الله وحده وترك الوثنية والشرك والجهالة، وواجه العداء والبغضاء بالحب واللين وجادلهم بالتي هي أحسن معتمدا في كل ذلك على إيمانه العميق وتوكله الكامل على الله سبحانه. إلى جانب ما كان يمتاز بها من الشجاعة والقوة والثبات بفضل هذا الإيمان العميق. وهذه الآية تظهر الخصال الحميدة التي كان يتمتع بها :
    ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) ( الأنعام)
    تتجلى في أسلوب وطريقة الدعوة التي أتبعها سيدنا إبراهيم ( ع) مع قومه لمحات جميلة تدل على عمق الإيمان. فقد كان يخاطبهم بكلام في منتهى الحكمة والمنطق السليم، حبذا لو استفاد المسلمون منه في أيامهم هذه في تبليغ دعوة الإسلام ورسالته إلى أمتهم.
    في الفصول القادمة سوف نبحث بشيء من التفصيل ذكر بعض هذه المواقف التي تجلت فيها الحكمة والرؤية والمنطق العقلاني في تبليغ الدعوة.

    " دعوة سيدنا إبراهيم لأبيه"


    ( وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) ( البقرة)
    إن دعوة الناس لمعرفة الله وتوحيده وعبادته من أولى مهام وواجبات المسلمين. وهذه، بحد ذاتها تعتبر عبادة تسمى بالتعبير الديني بـ " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". وأساس هذا العمل الصالح هو " الترهيب والتحذير" الذي يوضح لكافة الناس بأنهم مسؤولون ومحاسبون أمام الله الذي خلق كل شيء من العدم، وسوف يسألون يوم الحساب عما اقترفته أيديهم في حياتهم الدنيا، إلى جانب أمور أخرى من أوامر الله ونواهيه إليهم من الواجب تبليغها إليهم.
    لا شك أن من يقوم بمهام تبليغ ودعوة الناس وتخويفهم وإنذارهم حسبما ورد في آيات القرآن، هم المسلمون المخلصون لدينهم والمتمسكون بقوة ثبات بإيمانهم، وتملأ الخشية من الله قلوبهم. والله سبحانه أعطى هؤلاء بصيرة ثاقبة تفرق بين الصالح والطالح، مع الحكمة والعقل السليم. إن أسلوب التبليغ والدعوة يجب أن يستند إلى التصرف بحكمة ومخاطبة العقول حسب إدراكها ومستويات نضوجها وفهمها، مع الأخذ بالاعتبار شخصية ومستوى المخاطب وحالته النفسية وأوضاعه العامة، واستعمال أسلوب لطيف وأقوال مناسبة وملائمة للمقام والمقال، واستدراك ردة الفعل من المقابل وإيجاد البدائل للتصرف. وهكذا يظهر أن الاهتمام الكبير الذي يجب أن يوجه إلى فرد واحد تقابله جهود مضنية ومهام ثقيلة سواء في توجيه الخطاب لهذا الفرد أو إلى المجموعات البشرية والكتل الكبيرة لا سيما إذا كان هؤلاء بعيدين عن إدراك معاني الدين، وتربوا ونشأوا على أولياء أمور " ما أنذر آباؤهم من قبل"، أو الذين انتشرت بينهم الخرافات والعقائد السقيمة والأخلاق المنحرفة والجاهلية الدينية. ولهذا نرى القرآن ينبه في الدعوة والتبليغ إلى اتباع أسلوب " الحكمة والموعظة الحسنة"

    وجاء في الآية : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(125) ( النحل)
    إن جميع المسلمين مكلفون بدعوة الناس إلى معرفة الله بحق وصدق، وتوحيده بدون شريك، والتزام الأخلاق الفاضلة التي جاءت في القرآن الكريم. وقد عرف القرآن أيضا أساليب هذا التبليغ، وأن يكون أولا إلى الأهل والأقربين كبداية وهم أولى الناس بالدعوة إلى الإيمان والاعتقاد بالله تعالى وبالحشر والحساب في اليوم الآخر، وكما ورد في الآية:
    ( فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ(214) ( الشعراء)
    وخير مثال لهذا التصرف ما قام به سيدنا إبراهيم ( ع) من دعوة أبيه أولا، فقد حاول إفهامه أن العبودية يجب أن تكون لله وحده وليس للأوثان الصماء التي عملتها أيدي الناس، واتبع أسلوبا حكيما وطريقة جميلة. ويذكر لنا القرآن دعوته لأبيه" آزر" في الآيات :
    ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(43) ( مريم)
    وندرك في أسلوب تبليغ سيدنا إبراهيم ( ع) لأبيه دروسا مهمة. منها أن الشخص المراد مخاطبته ودعوته إلى الإيمان يجب أن يعامل بكل لين ولطف، واتباع أسلوب سهل وواضح معه، ثم الصبر على ردود أفعاله مهما كان ذلك الإنسان يتمتع بالقوة أو لسلطة أو الغرور.


    ( أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا(89) ( طه)
    التعليق تحت صورة الأصنام
    ( إلى اليسار، صنم يرجع إلى 2500-1100 ق.ب. وإلى اليمين، أحد الأوثان التي كان الآشوريون يعبدونها ويعتقدون أنها تجلب لهم الحظ والرفاه وتقيهم من المصائب. والصنم المسمى " حدد" كان من الأصنام التي يتخذها الملك ( أسرحدون)- القرن السابع ق.م) حاميا له وراعيا لملكه.)
    يلاحظ التشابه الكبير بين أسلوب دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) وما قام به سيدنا موسى ( ع) من دعوة فرعون إلى الإيمان. وقد خاطب الله تعالى موسى ( ع) بـ " فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44) ( طه) . وهذا ما قام به فعلا إذ وجه خطابه بكل رفق ولطف.
    ذكر لنا القرآن حادثة دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) لأبيه وما دار بينهما من حوار في الآيات:
    ( يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا(46)قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا(47)وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48) ( مريم)
    في هذه الآيات وما دار بين سيدنا إبراهيم ( ع) وأبيه، حكم عديدة، تظهر أولا مدى حكمته وشدة ترابطه مع الله وتوكله عليه. فقد دعا أبيه إلى عبادة الله وحده، رغم وجود خطورة التعرض إلى الموت، وفقده حب والده وأهله وكافة الامتيازات والمنافع التي يتوقعها منه. كما واجه التهديد بطرده وإبعاده بكل جلد وصبر وتوكل. فقد كان واثقا من أن ربه سيرشده إلى الطريق القويم، ويعينه ويرشده إلى الصواب دائما. وهذا ما كان يبعث في نفسه الهدوء والصبر والاطمئنان. ولنا خير الأمثلة وأحسنها من تصرفاته ولجوئه إلى ربه أمام الجور والظلم الذي أصابه من حرمانه من حقوقه، وانصياعه إلى أوامر ربه والدعاء والتضرع إليه وثقته من استجابة ربه له، وفي حسن التوكل وإظهار الثبات والإخلاص الكامل لربه. إضافة إلى ما أظهره تجاه أبيه من ردود أفعال غير متشنجة أو متوترة، وإنما تلقى كل ما لقيه منه وأصابه بصدر رحب وصبر وتحمل. وظل يخاطبه بكلمة " أبي" رغم كل ما حصل منه تجاهه.
    لقد توجه إلى أبيه بكل احترام وحسن نية وخاطبه بأسلوب لين كله شفقة ورحمة داعيا إياه إلى الإيمان. ولكنه عندما شاهد صد والده وإصراره على الكفر، فارقه ملتجئا إلى ربه. وفي مثل هذا التصرف بيان واضح لكل المؤمنين أن الغاية هي نيل رضا الله وكسب محبته، تنفيذا للقاعدة الدينية التي تقول " الحب في الله والبغض في الله" في التعامل مع الناس. ويوضح القرآن هذا المطلب الإلهي من المؤمنين في قوله:
    ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) ( التوبة)
    يلاحظ في العلاقة بين سيدنا إبراهيم ( ع) وأبيه آزر شدة تمسك أبيه بعقيدة الشرك وإصراره عليها حتى وصل به الحال إلى قيامه بتهديد ابنه بالموت، رغم أنه أنشأه ورباه لسنين عديدة باعتباره قطعة من لحمه ودمه، ورغم ما كان يقابله سيدنا إبراهيم ( ع) من احترام وتقدير. هذه المعاملة القاسية من أبيه كانت بسبب قيامه بإنكار آلهته وتسفيه دينه ودعوته له إلى نبذ الشرك، والإيمان بالله الواحد الأحد. وهنا تظهر صفات الظلم والقسوة والترهيب التي وصلت إلى درجة تهديده بالرجم. وهي من صفات الكفار وشيم المشركين والمنكرين في كل زمان ومكان.


    ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ( الحج)
    * سيدنا إبراهيم ( ع) ينصح أحد المشركين
    ورد في القرآن ذكرا لما واجهه سيدنا إبراهيم ( ع) من وقائع وأحداث في أثناء قيامه بواجب الدعوة إلى الإيمان وتبليغ الرسالة الإلهية. ومن ضمن هؤلاء الحكام والطغاة والجبابرة. وتورد المصادر التاريخية أحد هؤلاء المنكرين والمسمى بـ " نمرود" الذي دخل معه سيدنا إبراهيم ( ع) في نقاش وجدال:

    ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ( البقرة )
    هذا الإنسان الذي طغى وتجبر معتمدا على وفرة ماله وقوة سلطانه، وصل به الأمر عند مناقشته مع سيدنا إبراهيم ( ع) أن ادعى قدرته على الخلق ومنح الحياة، مفتريا على الله سبحانه " معاذ الله". إن أمواله الطائلة وسلطانه وقدرته المستندة إلى ملكه دفعته إلى الغرور والتصرف بالعنجهية وأوصلته إلى إدعاء الالوهية والكفر برب العالمين. ناسيا قدرة الله على جميع ما في الكون من مخلوقات.
    " نمرود" هذا الإنسان الجاحد والمنكر لله تعالى دخل في نقاش وحوار مع بني الله إبراهيم ( ع) حينما دعاه إلى الإيمان بالله وحده وعبادته وخضوعه له، مدعيا قدرته على منح الحياة، وحينذاك كان رد سيدنا إبراهيم ( ع) وجوابه المفحم المستند إلى قوة المنطق والحكمة:
    ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(258) ( البقرة)


    ( وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(12) ( النحل)
    إن الأنبياء الكرام كثيرا ما واجهوا مثل هذه المواقف بمثل هذه القوة والبصيرة والمنطق السليم. وكان لعمق إيمانهم بالله أثره في إيصال أقوالهم إلى القلوب، وتزييف مواقف خصومهم من أهل الأفكار والعقائد المنحرفة. أن الأفكار الضالة والآراء الفاسدة لأهل الكفر لا يمكنها أن تقف أو تصمد أمام وضوح الحق وقوته. لأن عقائدهم الباطلة تلك، تبقى عاجزة أمام دعوة المؤمنين للإيمان بالخالق المبدع، وإن استندت إلى ما لهم من قوة المال والجاه والسلطان والحكم. لهذا فهم الخاسرون دوما، ويعبر القرآن عن موقفهم هذا ووضعهم البائس بقوله عنهم " فبهت الذي كفر..." ولن يجدوا إلى الجواب سبيلا ولا إلى الخروج من مأزقهم وسيلة.
    ومما يلفت الانتباه في جواب سيدنا إبراهيم ( ع)، البساطة والوضوح والسلاسة الطبيعية الصادرة من دواخل النفس والقلب. فمثل هذا الأسلوب يكون تأثيره على قلوب وأذهان وأرواح المخاطبين مباشرا وقويا دائما. ذلك لأن وجود الخالق المبدع واضح لا لبس فيه مما يكسب منطق المؤمن وحجته القوة والتأثير المباشر. ورغم هذا المنطق القوي يبقى بعض الناس عبيدا للشيطان ويظلون في عنادهم وكبريائهم. إن هؤلاء الذين هم على بعد من الدين، يعتبرون ما هم عليه من مال وجمال أو سلطان من صنع أيديهم، وهذا ما يدفعهم إلى الغرور والبقاء تحت سيطرة أهواء النفس، ويعطون لأنفسهم ما لا يستحقونها من حقوق، ناسين عظمة الله تعالى. ويدفعهم الشيطان إلى الغرور أكثر فأكثر مظهرا لهم زينة أموالهم وزخرف سلطانهم، مانعا إياهم من قبول العبودية والخضوع لله تعالى.
    يواجه المؤمن في أثناء قيامه بالدعوة والتبليغ، الكثير من الناس، والعديد من هؤلاء لا يدركون عظمة الله لشعور الكبر في داخل أنفسهم. وعند هذا الموقف يتبادر إلى الأذهان اللجوء إلى الأسلوب الذي اتبعه سيدنا إبراهيم ( ع) في إظهار عجزهم، وبالمقابل إظهار قدرة الله وعظمته وسعة ملكه. وهكذا يدرك الكافر أن لا قيمة لأمواله أو سلطانه اللا متناهي. كما وينتبه إلى محدودية قدرته وإرادته، وأن كل شيء ينتهي بموته ويتلاشى سلطانه. وحينذاك يدرك بإحساسه ووجدانه أن الله تعالى هو الحق المطلق وصاحب القوة والقدرة وحده.


    ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185) ( آل عمران)
    ويظهر الأسلوب الذي اتبعه سيدنا إبراهيم ( ع) في أثناء نقاشه مع الطاغية الكافر، مدى أهمية الاستناد إلى الأمور العقلانية والتصرف الهادئ والرزين والمنطق الحكيم. على المؤمن المسلم عدم الدخول في مناقشات وجدال عقيم لا يأتي بنتيجة وليس من ورائه طائل، بل على العكس، عليه الوقوف أولا على الحالة الذهنية والنفسية للمخاطب وتحليل منطقه وأسلوبه في سبيل إزالة غشاوة الأفكار الباطلة من ذهنه، وتقديم أدلة منطقية ومؤثرة عقليا تدعم موقفه وتؤدي إلى حصول قناعة بوجوب واجب الوجود تعالى. إن من يستطيع أن يقوم بهذا الواجب وبهذا الأسلوب الحكيم لا بد له من أن يتمتع بإيمان عميق وعلم ومعرفة واسعة بالقرآن وأحكامه، ويكون على درجة كبيرة من التقوى والخشية من الله تعالى، ذلك لأن الحكمة نعمة وفضل من الله تعالى، ومن يرد إدراكه عليه أن يطلبه من الله تعالى بالدعاء والتضرع لكي يهبه من فضله.
    في الآية 0 يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ(269) ( البقرة)، يكشف القرآن لنا سرا من أسراره ويخبرنا عن سبب من أسباب بلوغ النجاح.

    * قيام سيدنا إبراهيم ( ع) بتبليغ الدعوة إلى قومه
    كيف يجب أن يقوم المؤمن بتبليغ ودعوة من انغمس في الكفر و سدر في الغفلة؟ وكيف يستطيع إدخاله إلى حظيرة الإيمان؟. يشير القرآن إلى وجوب التزام وسائل صحيحة وأساليب حكيمة مخطط لها مسبقا. لا يوجد هناك أسلوب واحد محدد. وإنما يختلف بحسب ظروف الشخص المقابل ومستواه وثقافته وما يحمله من آراء وأفكار وما هو عليه من أوضاع. ويضرب لنا القرآن أمثلة. منها أسلوب دعوة سيدنا نوح ( ع)، فتارة " دعوتهم جهارا"، وأحيانا " أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا" وبذلك اتخذ وسائل مختلفة وأساليب عدة في دعوة الناس( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9) ( نوح).


    ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ(92) ( المائدة).
    في دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) أمثلة أخرى. ولكن أكثرها تأثيرا إيقاظ ضمائر وأحاسيس الناس ومخاطبة أفكارهم وتحريكها باتجاه الإيمان بالله. وقد وجه إليهم أسئلة دفعتهم إلى التفكير وتحريك الأذهان، ثم إدراك ما هم عليه من انحراف وضلال. وقد أظهر لهم مدى تفاهة ما يعبدونه مما صنعتها أيديهم من حجارة أو خشب، وبذلك قوض عقائدهم الوثنية التي توارثوها عبر أجيال من قبلهم، وفتح بصائرهم على الإيمان بالواحد الأحد. ويذكر القرآن جانبا من تبليغ الدعوة:
    ( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76)فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77)فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(78)إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(79) ( الأنعام)
    إن ما ورد من وصف وذكر للنجوم والشمس والقمر ليس من معتقدات سيدنا إبراهيم ( ع). وإنما يظهر لنا وكأنه أسلوب في كيفية مخاطبة قومه والتوجه إليهم ( والله أعلم ...)، لأنه كان على علم ودراية في أمور ظهور النجوم والقمر ليلا في السماء واختفائها عند بزوغ الشمس نهارا، ثم زوال الشمس بدورها عند المغيب. ولكنه قام بإتباع هذا الأسلوب من الإفهام غير المباشر لأن قومه كانوا في لجة من الشرك وظلمة الأفكار، ومحرومون من تحكيم العقل والمنطق.
    وكما سبق وأكدنا عليه في الجزء الأول من هذا الكتاب فقد كانت الأقوام الوثنية التي تعبد ما تصنعه من أصنام، تعتقد وتؤمن بقدسية الأجرام السماوية من النجوم والشمس والقمر، وتؤلئها وتعبدها من دون الله. وهذا ما دفع سيدنا إبراهيم ( ع) إلى أن يخاطبهم بما يؤدي إلى تسفيه أفكارهم وتقويض عقائدهم من الأساس، وبذلك تزول القدسية والمهابة التي اكتسبتها هذه الأجرام السماوية. فلجأ إلى أسلوب طرح الأسئلة وثم الإجابة عليها وصولا إلى إفهام المشركين أن الموجد والخالق الحقيقي هو الله.
    وفي قوله " إني لا أحب الآفلين ..." خطاب مهم موجه إلى قومه. وهكذا وصل إلى هدف تلقينهم بأن من يحمل صفة " الإله" لا يفنى ولا يختفي أو يموت. وكما هو معلوم فإن صفة ( البقاء) و( القيام) هما من أوصاف الله تعالى.
    ثم التفت إلى القمر الذي كان يبدو في الليالي بحجم أكبر من النجوم، وأثبت لهم عدم إمكانية اعتباره إلها لأفوله واختفائه، مستندا إلى أدلة عقلية ومنطقية. واتخذ نفس الأسلوب مع أكبر الموجودات المادية الظاهرة للإنسان ألا وهي الشمس، وسفه أحلامهم بشأنها أيضا. وأنزل بذلك ضربة قاضية بالفكر الوثني المستند إلى تعدد الآلهة والشرك في العبادة.
    ثم قالها أخيرا.... " وما أنا من المشركين..."، موجها وجهه إلى خالق كل شيء، مؤمنا برب الخلائق كلها ومعلنا صراحة وعلى مشهد من الملأ إيمانه بالله الواحد الأحد. ومن تسلسل الأحداث تظهر لنا حقيقة سيدنا إبراهيم ( ع) أنه كان واقفا وعالما بالفكر الوثني. وهكذا لجأ في حواره وتبليغه برسالته التوحيدية إلى ضرب الأمثال والإتيان بمقارنات منطقية وآراء عقلية أثبت بموجبها فساد وبطلان منطقهم وأظهر الانحراف والاعوجاج في عقائدهم. وتبين لنا الآيات مدى القلق والهياج الحاصل لدى قومه، ودخولهم في معارك جدلية ونقاش مستمر معه. ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80) ( الأنعام)
    كان سيدنا إبراهيم ( ع) موجها بإلهام من ربه حينما كان يناقش قومه ويبلغهم رسالته. وهذه الحقيقة تدرك من الأسلوب الذي اتبعه والأمثلة والمحاكمات المنطقية التي أوردها واعتمدها في خطابه إليهم.
    يقول تعالى في هذا ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83) ( الأنعام)
    ومن هذه الآية يتبين لنا أن ربه ألهمه ما كان يقوله أو يعتمده من وسائل.
    هذه الأساليب التي لجأ إليها سيدنا إبراهيم ( ع) تعتبر أمثلة ونماذج أمام المسلمين أيضا للأخذ منها والإقتداء بها. إذ على المؤمنين أيضا أن يفندوا أفكار الملحدين وأدلتهم الفاسدة واحدا بعد الآخر. ويتخذوا من الوسائل والأدلة العلمية والمنطقية سبيلا لهم. ثم يبدءوا بدعوتهم إلى الإيمان بالله وقبول عبوديتهم له وحده. فإذا لم يستطيعوا أن يقوضوا الآراء المنحرفة أولا، فسوف يجدون من الصعوبة إقناع المخاطب بقبول الإيمان بشكل صحيح وصريح وقبولهم بالإسلام دينا ومنهاجا. فتحطيم الأوثان بجميع أشكالها وتفنيد الآراء والفلسفات المنحرفة لدى المشركين والتخلي عن جملة من الاعتبارات المادية الصرفة، شرط مسبق لتقبل الإيمان الصحيح.
    ويظهر جليا من قراءة حياة سيدنا إبراهيم ( ع) وبالخاصة ما قام به من الدعوة وتبليغ رسالة السماء، إيمانه العميق بربه ومحبته الصادقة وتنفيذه المطلق لأوامره وبكل دقة وحساسية متناهية. وفي كيفية أداء رسالته وإيصالها إلى أبيه وإلى قومه، تظهر حقيقة كونه إنسانا مختارا من ربه ومتميزا عن سواه ومفضلا عنده. والآيات تكشف لنا ذلك:-


    ( وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ(24) ( النمل)
    ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ(76) ( الشعراء )
    لقد لجأ سيدنا إبراهيم ( ع) – وكما يظهر من الآيات – إلى ضرب الأمثال والاستشهاد بها واعتماد وسائل معينة لإثبات بطلان فكرة الوثنية وعبادة الأصنام واتخاذها آلهة.
    ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123) (هود)
    * التعليق تحت صورة حمورابي:-
    ( في هذا النصب الحجري، يشاهد حمورابي وهو يقدم طاعته وعبوديته بموجب عقيدته الوثنية المنحرفة إلى إله الشمس في الديانة البابلية والمسمى " شمش" ).
    غير إن الجواب الوحيد لقومه تجاه كل هذا المنطق والمحاكمة العقلانية كان ترداد " هكذا وجدنا آباءنا ". وكما سبق وذكرنا هذا القول وهذا المنطق كثيرا ما استخدم من قبل الأقوام والمجتمعات القديمة في العصور الجاهلية. وهي عبارة مألوفة ومطروقة كثيرا في محاولة لإعطاء الشرعية لمعتقداتهم الخاطئة. غير أنه لا مكان لمثل هذه الآراء ة والاعتبارات في الدين الحق. ومن سياق هذه الآيات ظهر لنا سيدنا إبراهيم ( ع) وهو يدعو قومه إلى الإيمان ومعرفة خالق الكون والاعتراف بربوبيته وحده:-


    This statue depicts Hammurabi (app. 1955-13 BCE) paying respect to Shamash, the Sumerian sun god.
    ( فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82) ( الشعراء)
    وهكذا يتبين لنا أن قوم إبراهيم ( ع) كانوا مصرين على عبادة الأوثان، وثابتون بعناد على دين آبائهم. وكان سيدنا إبراهيم ( ع) يعدد لهم صفات الله العظمى وأسمائه الحسنى، ويؤكد لهم أنه الخالق المبدع والبارئ المصور لكل ما في الكون من أشياء، حية أم جامدة، وأن نعمه وأفضاله لا تعد ولا تحصى وسخر لنا كل جميل وحسن في الحياة، وإن تحت حكمه وقدرته وسلطانه كل ما في الوجود، وهو الذي وهب لنا الحياة وأتاح لنا العيش على هذه الأرض التي سخرها ومهدها لنا لننعم من خيراتها، وإن حصول أي شئ ووقوع أي حدث يكون بعلمه وإرادته، فهو الذي أراد وقدر لنا أن نمشي ونأكل ونتكلم، وجميع حركاتنا الإرادية واللاإرادية تتم بعلمه وإرادته. وكان يقول لهم – كما ذكر ذلك القرآن – أن الله هو الذي يشفي الإنسان إذا مرض ويتفضل عليه بالعافية والشفاء، وبدون إذن منه لا يقدر طبيب أو دواء على عمل أي شيء. كما وأنه سبحانه وهب الحياة للإنسان، فإذا جاء أجله فإنه يسلب منه حياته، وأن عنده العلم بالأعمار، وكم سيطول العمر بالإنسان، بالسنين والأشهر والأيام بل بالساعات والدقائق والثواني، وهو الذي قدر كل هذا حتى قبل أن نخلق ونولد. ومكتوب في صحائف أقدار كل حيّ تفاصيل دقيقة عن جميع أمور حياته، وجميع حركاته وأفعاله وأقواله، ولا يقدر على اتخاذ أي قرار أو فعل أي عمل خارج ما قدره له الله وكتبها في كتاب قدره.

    لقد خلق الله الإنسان ووهب له حياته في الدنيا من أجل امتحانه واختباره. وأرسل الرسل والأنبياء لإرشاده وتعريفه بالحق وطريق الهداية وأنزل آياته البينات لإخراجه من الظلمات إلى النور. وسوف يحاسبه يوم القيامة على جميع أعماله وتصرفاته. أما من آمن منهم واهتدى وخاف مقام ربه وخشيه بالغيب والتزم أوامره ونواهيه بدقة وكمال وجه، وسخر حياته لنيل رضاه، وعمل الصالحات ليكسب رحمته، فسوف يلقى من ربه جزاءه بالحسنى ويجزي بأحسن ما عمل، لأن ربه رفيق بعباده شفوق عليهم، ورحمته تسعهم وعفوه، يغفر سيئات الذي آمنوا به ويعفو عن خطاياهم يوم الحساب. وقد وعدهم بالنعيم المقيم في جناته الواسعة – خالدين فيها أبد الآبدين.
    ولا بد لنا هنا من ذكر موضوع نعتقد أنه يكتسب أهمية. ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يهدي الناس الذين يدعوهم إلى الإيمان ويقوم بتبليغهم بحقائق الدين. فالإيمان قسمة وفضل من الله تعالى. وهكذا نرى أن قوم إبراهيم ( ع) بقوا على الضلالة وأصروا على الكفر وعصوا أمر الله تعالى ولم يتبعوا صوت العقل ولا التفتوا إلى ما يمليه عليهم ضمائرهم رغم ما قام به سيدنا إبراهيم ( ع)من بذل المحاولات وصرف الجهود المضنية في سبيل هدايتهم وإدخالهم إلى حضيرة الإيمان. ولم يكتفوا بالإصرار على الكفر وإنما وصل بهم الحال إلى تهديده بالنفي وبالرجم وبالقتل، بل وقرروا حرقه برميه في النار كما سوف نرى تفاصيل ذلك لاحقا. لذا، يجب ألاّ ننسى حقيقة ثابتة، وهي أن على الإنسان المؤمن أن يقوم بدعوة من حوله من الناس إلى الهداية والالتزام بتعاليم الدين بكل إخلاص وجدية. ولكن إذا ما شاهد عدم الاستجابة منهم فلا بأس عليه، ويجب أن لا يحزن ويقنط.
    يقول الله سبحانه في آية ( وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29) ( الكهف)
    ويخاطب رسول الله ( ص) ( كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) ( الشورى)
    وقال أيضا ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(104) ( يوسف)
    إن من أسباب إصرار قوم سيدنا إبراهيم ( ع) على الكفر والوثنية رغم ظهور الحق أمامهم واضحا جليا، ورغم قناعتهم في دواخل أنفسهم سخف ما يعتقدون بها من أصنام وتفاهة آرائهم، هو حرصهم على الاحتفاظ بمكاسبهم والخوف على ضياع منافعهم. لأن النظام الوثني الذي كانوا عليه أتاح لهم فرص كثيرة للكسب والاكتناز والحصول على منافع مادية دنيوية. وأي تغيير أو انقلاب لهذا النظام الديني سيؤدي إلى الإضرار بهم وخسارتهم لامتيازاتهم. ( تماما مثل كفار ومشركي مكة من التجار الذين خافوا على مكانتهم ومكاسبهم ووقفوا ضد رسالة سيدنا الرسول الأكرم ( ص)). وهذه حقيقة بمثابة دستور واجه كل الأنبياء والرسل. وكما يذكر القرآن، فقد جابه جميع الأنبياء والرسل الكثير من المصاعب والعقبات، وأذى وتهديد بالإخراج وبل بالقتل. هؤلاء الأنبياء الكرام اتهموا بمختلف الافتراءات والأباطيل والصفات غير الحسنة، مثل الجنون أو قول الشعر أو السحر والشعوذة والافتراء على الله. وعكسوا الحقائق تماما باتهامهم الأنبياء بالخروج عن طريق الحق والصواب رغم أنهم كانوا على الشر والضلال والانحراف، وقلبوا بذلك المفاهيم والثوابت.
    ويجب أن لا ننسى أن هؤلاء بقوا تحت تأثير الجهالة وأسرى للاعقلانية. وفي سبيل الاحتفاظ بمكاسب ومنافع مادية زائلة، دفعوا بأنفسهم إلى الهلاك والخلود الأبدي في نار جهنم وعذابها المقيم. ويخبرنا الله تعالى نهاية ومصير الذين وقفوا أمام الأنبياء والرسل الكرام، هؤلاء المختارون من بين الناس كونهم أصفى وأنقى البشر، وعباد مخلصون لله، خاشعون له:-
    ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(112) ( آل عمران)
    * سيدنا إبراهيم ( ع) وما خططه بشأن الأوثان


    ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(17) (الحج)
    كما ذكر في القرآن، فإن الله تعالى يمنح عباده المتقين قابلية التفريق بين الصواب والخطأ. وهذه نعمة مخصوصة للمؤمنين دون غيرهم، وفضل كبير من الله عليهم. وأبرز مثال على هذا، ما أنعم الله به على سيدنا إبراهيم ( ع) والذي تجلى في ما قام به من أفعال وأقوال في دعوة قومه إلى الإيمان ونبذ الوثنية والشرك، ثم ما اتخذه من قرارات حكيمة وخطط متينة لمواجهة أهل الكفر وبيان مدى ضعف وسقامة معتقداتهم والأصنام التي يعبدونها. والملفت للنظر أنه قام بكل هذه الإجراءات لوحده أمام عموم قومه. وهذا لا يتأتى إلاّ بإعداد جيد وتنظيم دقيق وحساب محكم للخطوات التي ستتخذ. ومثال على ما قام به لدفع غائلة الكفار والمشركين، ادعاءه المرض لإبعادهم عنه:
    ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ(85)أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ(86)فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(87)فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ(88)فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ(90)(الصافات)
    وبعد أن أبعدهم عنه ذهب إلى الأوثان وقام بتحطيمها ونثر شظاياها
    ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(91)مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ(92)فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ(93) (الصافات)
    ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ(58) (الأنبياء)
    ومن صور حكمته وحسن تدبيره وسداد تفكيره، ترك أحد الأوثان سليما. وعندما جاء المشركون إلى معبدهم رأوا أصنامهم محطمة متناثرة عدا أكبرها فلا زال قائما، وبحثوا عمن فعل هذا بآلهتهم واتجهت أنظارهم إلى سيدنا إبراهيم ( ع) لما عرف عنه من عداء للأصنام، ثم وجدوه وأمسكوا به:
    ( قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ(59)قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ(60)قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ(61)قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ(62) (الأنبياء)
    هذا الموقف يفسر لماذا ترك أكبر الأصنام سليما.
    ( قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ(63) (الأنبياء)
    وعلى أثر هذا الجواب المفحم، راجع المشركون أنفسهم وشعروا بعجز آلهتهم عن النطق والقيام بأي تصرف واصطدموا بالحقيقة من أنها ليس باستطاعتها حتى دفع الأذى عن نفسها. وبفضل هذه الخطة الحكيمة انكشفت الحقائق أمام أبصارهم.
    ( فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ(64) (الأنبياء)
    غير إن تأثير هذه الصدمة سرعان ما انحسر أمام عناد المشركين، ورجعوا إلى ما وجدوا عليها آباؤهم وتمسكوا بها، وكذلك خشيتهم من خسارة المكاسب والمنافع التي كان يؤمنها لهم هذا النظام الوثني المتوارث:
    ( ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ(65)قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ(66)أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ(67)قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(68) (الأنبياء)
    من سير الأحداث هذه، تظهر لنا دقة التخطيط ومتانة التصميم الذي أعده سيدنا إبراهيم ( ع) ابتداء من إدعاء ( المرض) الذي أبعد قومه عنه تاركا المجال أمامه للتصرف بحرية، ثم تحطيمه الأصنام جميعها عدا أكبرها. وقد فعل هذا لعلمه وتقديره بردة فعل قومه. هذه جميعها إنما نتيجة رعاية الله له وإلهامه إليه بهذه الخطط المحكمة والآراء السديدة ولما كان يتمتع به سيدنا إبراهيم ( ع) من رأي راجح وفكر نيرّ. وهكذا نرى آثار فضل الله عليه في جميع ما عمله وأوصله إلى النجاح الذي تحقق له.
    وحينما ادعى أن كبير الأصنام قام بتحطيم الأصنام كلها، فكأنما وضع المشركين أمام محاكمة واستنطاق وتحقيق. وبذلك تحققت الخطوة الأولى من خطته التي اعتمد فيها التدرج والخطوات اللاحقة.
    ولعل من الأسباب التي دفعته إلى تحطيم الأصنام، إظهار مدى سخف وتفاهة فكرة الشرك وعبادة الأحجار الصماء وعدم عقلانية هذا المعتقد الذي لا يتلاءم مع العقل والمنطق. وأراد أن يشعرهم بالخطأ الكبير من صنع هذه الأصنام ثم عبادتها وتقديسها والخضوع لها. وكذلك مدى الانحراف والابتعاد عن الطريق الصحيح، وعن سبيل الحق الإلهي وتقاطعه مع الوحي المنزل لإرشاد الناس وإخراجهم من الظلمات.
    إن مجرد التفكير بأن هذه الأوثان لا تتحرك، ولا تأكل أو تشرب، ثم هي قادرة على إلحاق الأذى وتأمين المنافع، يدل على ضحالة في العقل والتفكير. فكيف الحال إذا ما قام الناس بطلب العون والمدد منها عند وقوعهم في مصاعب وشدائد والتضرع إليها. بل وتجاوز الأمر عندهم عندما ادعوا وآمنوا أن هذه الأحجار الصماء هي التي خلقت الكائنات وما فيها وتتحكم في إدارتها وتنظيمها وتوزع الأرزاق والمعاش وتبعث الحياة وتجلب الموت، ولها القدرة على جلب الأمراض ثم الشفاء منها. إلى هذا الحد كانوا فقراء ومحرومون من العقل السليم والتفكير الرصين والرأي السديد. ويلخص لنا القرآن ضحالة وضعف موقف المشركين هؤلاء:
    ( وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ(192)وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ(193) (الأعراف)
    ( أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِي(195) (الأعراف)
    ومن الخطأ التصور إن هذا الإدراك الضعيف المنحرف محصور بزمن النبي إبراهيم ( ع). لأن عبادة الأصنام مستمرة ولا زالت قائمة إلى أيامنا هذه، وربما تحت أسماء وشعارات أخرى. وما كان يؤمن به المشركون قريب الشبه بما يجول في أفكار أنصار " داروين" من المدعين بالتطور.
    2 الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان. جلد/2،ص.( 130).

  • #4
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    التشابه والتطابق بين عقيدة قوم سيدنا إبراهيم ( ع)
    وبين آراء الداروينيين المعاصرين *
    كان المشركون من قوم سيدنا إبراهيم ( ع) يعبدون أصناما يصنعونها بأيديهم من حجارة أو خشب أو صلصال مفخور. وكانوا يؤمنون أن هذه الأوثان لها القدرة على التحكم والسيطرة على ما يجري في الكون. وبحسب هذه العقيدة المنحرفة والفكرة الباطلة فإن هذه الجمادات التي لا حياة فيها كانت تمتلك اتخاذ القرار وتنفيذه وتطبيقه والتحكم في مصائر الأحياء ومجازاتهم أو مكافأتهم على أعمالهم.
    والخلاصة أنهم كانوا يؤمنون أن المادة البحتة الجامدة التي منها تصنع الأصنام هذه لها القدرة والاستطاعة على الخلق والإبداع وتنظيم أمور الناس والكون. ولا شك أن هذا الرأي في منتهى الفجاعة والركاكة والسخف، إلى جانب كونه خطأ وإثما كبيرا حسبما ورد في القرآن الكريم:
    ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48) (النساء)
    أما في أيامنا هذه، فإن الذين يدافعون عن نظرية " داروين" في التطور يتبعون مسيرة المشركين من قوم سيدنا إبراهيم ( ع) ويلتزمون بآرائهم. فهم يؤمنون أن عناصر مجردة من الأوكسجين والكاربون والهيدروجين والكالسيوم والمنغنيز والحديد وبمشاركة مياه مخلوطة من طين وعناصر ومواد أخرى تمتلك القدرة الفائقة والإرادة الحرة ( وبمساعدة ومعاونة مرور أحقاب طويلة من الأزمان عليها وببعض المصادفات) على خلق وصنع جميع ما في الطبيعة من حسن الخلق وجمال التكوين وكمال التصوير وكل هذا التنوع في المخلوقات. فهذا الثالوث ( المواد الجامدة والزمن والمصادفات) هو الذي اتخذ القرار ونفذ كل شيء. والأهم من كل هذه خلق المخلوقات والإنسان، بعقله وإدراكه وكيانه العجيب. إن هذا الفكر الفاسد والنظرة المنحرفة تعتبر المادة هي الإله والخالق. فالمادة الجامدة الخالية من عناصر الحياة لها القدرة والإرادة على اتخاذ القرار والتنفيذ، حسبما يدعون. وجميع ما في الكون من موجودات خلقت نفسها بنفسها وبالمصادفة العشوائية ( نستعيذ بالله، وننزهه تعالى). في حين أن الإنسان إذا ما فكر وتعمق في هذه المخلوقات من أحياء وجماد، توصل إلى أن صاحب القدرة والإرادة المطلقة هو ( الخالق)، صاحب الكمال المطلق في الإرادة والتدبير. إن كل شيء في هذا الكون الفسيح من مجرات وسدم وأجرام، وصولا إلى أرضنا التي تضم الأعاجيب من المخلوقات الجميلة، وقوانين حكيمة تنظم الحياة عليها بتوازن دقيق ابتداء من الإنسان وما يحتويه جسمه من أنظمة معقدة وإلى الطبيعة والبيئة من حولنا المتلائمة والمتناغمة معه لإدامة الحياة، هذه وغيرها كثير دلائل وإثباتات على وجود ( الخالق) المبدع، الرؤوف الرحيم بخلائقه. وعن طريق الرسل والأنبياء من أمثال سيدنا إبراهيم ( ع) وغيره، كشف ربنا الجليل هذه الحقائق للناس أجمعين ولكل من يملك عقلا سليما وفكرا رصينا، لتأمين هدايتهم إلى طريق الإيمان والحق المبين.
    ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا(3) (الفرقان)

    غير إن كثيرا من البشر وعلى مر التاريخ أصروا على الإنكار وبقوا على ضلالهم وتخبطوا في ظلماته ودياجيره. ويبين الله تعالى في

    كتابه المنزل والوحي الأخير هذه الحقيقة في قوله:
    ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ(109)وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(110)وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ(111) (الأنعام)



    إن الذين يدعون قدرة الذرات والجزيئات والمادة المجردة والعناصر والمعادن وبالاستعانة بالمصادفات، وكذلك الذين ينحنون ويسجدون أمام هذه الرموز المجردة، لا يختلفون أبدا عن عبدة الأوثان، بل هم استمرار لنفس الفكر السقيم، والذي اختلف فقط هي المسميات الجديدة والعبارات المسبوكة في تعريفها وتوصيفها.
    إن الأفكار التي كانت تحملها الأقوام والشعوب التي عاشت في زمن سيدنا إبراهيم ( ع) كانت تتمحور في عبادة الأصنام وتعدد الآلة كدين شامل يعتقدون بموجبه أن لكل شيء أو فعالية إله يتمثل في صنم أو علامة طبيعية بارزة، وإن هذه المسميات تتحكم في الطبيعة التي أوجدتها، وتنظم أمورها وتسيّر شؤونها. والداروينيون أيضا على فكرة وعقيدة مماثلة ومقاربة، ويدّعون أن كآفة المخلوقات والموجودات في العالم من حيّ وجماد هي من إنتاج وخلق المادة الصماء ( الذرات والجزيئات وقوى الطبيعة والخصائص الفيزياوية والكيمياوية للمادة). وهكذا يلتقي الداروينيون مع عبدة الأصنام حينما يقولون بـ " تنظيم المادة نفسها بنفسها" أو " خلق الطبيعة للأنواع" اعتمادا على المادة الجامدة وإيداع قدرة وقوة خيالية فيها. فهم إذن يؤلهّون المادة ويعبدونها.
    يمكننا مشاهدة هذه الحقائق عندما نتابع الإصدارات والنشريات التي تهتم بنظرية التطور، حيث تتحدث كثيرا عن أصنام الداروينين وعلى رأسها وفي مقدمتها " الطبيعة الأم" التي يؤمنون أن كل ما في الكون من تنظيم وتحكم يعود إلى الطبيعة الأم أو الطبيعة الخلاقة. فالموجودات الرائعة الجمال من جماد وأحياء من صنع الطبيعة، وكذلك الحياة والموت والحوادث والوقائع والكوارث الطبيعية الكبرى أيضا. فعندما يتحدثون عن منظر طبيعي جميل يقول عنه " هدية أمنا الطبيعة" ويسمون الكوارث الطبيعية بـ " غضب أمنا الطبيعة" وغيرها من الآراء المنحرفة والأفكار المختلة. ولكنهم لا يعطون أي تفسير أو توضيح عمن أعطى الطبيعة هذه القدرة، وحتى عن ماهية الطبيعة هذه. وهذا برأينا فيه الكثير من الجهل والأفتراء والقبح. هؤلاء الناس يشركون بالله جهارا ويحاولون تغليف أفكارهم الخاطئة بغلاف من الحقائق العلمية.

    يقول المفكر الأمريكي فيليب جونسون عن الداروينيين المعاصرين وبقية الماديين ومن يحملون فلسفات تعتمد المادية، بأنهم عبدة أوثان بشكل ما : " إن الإنكار في جميع العصور تشكل قيمة منحرفة لنا نحن البشر. أما المادية البحتة وإنكار وجود الخالق فهو القسم الظاهري والجزء الطافح من الإنكار... والستراتيجية الأخرى للإنكار هي إحلال وجود آخر يكون تحت سيطرتنا وتحكمنا محل " الخالق" وهذه وثنية فاضحة. القبائل البدائية كانت تصنع أوثانها من الخشب أو الطين المفخور. أم أصحاب الرأي والفكر الحديث فقد وضعوا نظرياتهم محل الأوثان وعبدوها. فإذا ما ذكروا كلمة " الإله" فيقصدون الطبيعة ودساتيرها، أو المصادفة، ويظهرونها على هذه الصيغة. وجميع الذين يستخدمون هذه الستراتيجية يضعون المخلوق محل الخالق. وهذا منتهى الوثنية. (3)

    ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40) (الروم)
    وفي حقيقة الأمر فإن وضع موجودات عاجزة ابتدعوها مكان الخالق المبدع الذي خلق الكائنات جميعها من العدم، إنما يشكل أساس الوثنية الخالصة التي بدأت منذ أزمان سحيقة ولازالت مستمرة. وقام سيدنا إبراهيم ( ع) بالوقوف في وجه قومه الذين انحرفوا وسلكوا نفس الطريق المظلم. يقول القرآن في ذلك:
    ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) (مريم))
    " إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ(52)قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(54) (الأنبياء)"
    إن المادة لا تملك المعرفة. لذلك فإعطاء صفة العلم والمعرفة للأشياء المادية هي فكرة خاطئة وفهم سقيم. فليس للذرات أو الجزيئات ولا للماء المخلوط بمواد طينية، وكذلك ليس للمصادفة قدرة اتخاذ القرار أو قابلية التفكير والإدراك. بينما تتجلى الحقيقة الواضحة في وجود تنظيم وتحكم دقيق وإدارة مقتدرة حكيمة تسير هذا الكون الهائل. إن هذا التدبير الفائق والإدارة والإدراك العالي يعود كله إلى الخالق المقتدر، ربّ هذا الكون وخالقه من العدم.
    ويبدو واضحا الكمال ومنتهى المعرفة بالأشياء والعقلانية في أعلى مستوياتها في المخلوقات التي نراها. ذلك أن الله خلق جميع الموجودات من جماد وأحياء من العدم وأودع فيها من جمال الخلق وكمال السحر ما يخلب لب الإنسان ويبهر إدراكه.
    لقد دعى سيدنا إبراهيم ( ع) الناس إلى ترك عبادة النجوم والشمس والقمر بعد أن سفه أقوالهم وادعاءاتهم وأثبت لهم عدم امتلاك هذه المخلوقات القدرة على الخلق أو جلب الضرر أو النفع. وبذلك فتح أمامهم طريق الإيمان بالله. وقد سلك في دعوته هذه طريقا سبق الكلام عنه، واعتبرناه قدوة ومثالا للإتباع والسير على هداه. في البداية لجأ إلى فكرة تحطيم العبودية للأوثان، وتسفيه العقائد التي كانوا يؤمنون بها ويعتمدونها. كل ذلك جرى بالهام من الله تعالى إليه. ويرى بعض الناس في أيامنا هذه، عدم جدوى الدخول في صراع مع الملحدين والماديين والداروينين، وبصورة خاصة ما يخص تفنيد نظرياتهم وآرائهم الفلسفية. وهم يعتقدون أن البحث والكلام عن بدائع صنع الله وعظمة خلائقه كافية للرد على الداروينين دون الدخول في جدال نظري بحت لإثبات الخطأ والفساد في نظريتهم. نحن نعتبر ذلك وجهة نظر غير صائبة. ذلك لأن الناس الذين يحملون أفكارا خاطئة منذ مدة طويلة يتطلب كشف ما يجول في أفكارهم من علامات استفهام وإظهارها للعيان واعتبار ذلك من جملة الإجراءات والوسائل الواجب اتخاذها واتباعها. وهذا يتطلب منا تفنيد أسس نظرية التطور في نفس الوقت الذي نقوم فيه بالدعوة وتبليغ الناس بمفاهيم الإيمان ومعرفة الله جل جلاله وبشكل صحيح. وهكذا يشعر الناس كم هي خاطئة ما كانوا يحملونها من أفكار مادية ظلوا مخدوعين بها لسنوات طويلة، ويقتربون أكثر من الاقتناع بوجود الواحد الأحد.
    * التعليق أسفل الصفحة 72
    ( يقول الداروينيون أن جميع المخلوقات الجامدة والحية تكونت بفعل الخصائص الكيمياوية والفيزياوية للمادة وبمساعدة مرور أزمان طويلة تفاعلت خلالها الذرات والجزيئات بمساعدة قوى الطبيعة وبمعاونة عنصر المصادفة. بينما لا يمكن خلق كائن حيّ حتى لو اجتمعت معا كل الظروف التي يعتبرونها من مسببات الخلق والتكوين.
    والداروينيون لو قاموا بوضع برميل " كما ظهر في الصورة الجانبية" يحتوي على جميع ما يطلبون من مواد وعناصر وأنزيمات وهورمونات وبروتينات، وتحت أية ظروف يريدونها، واستخدموا أية وسائل وإمكانات يدعون ضرورة وجودها وتوفرها، ثم انتظروا ما شاءوا من سنين حتى الملايين منها، فلن يخرج من هذا البرميل كائن حيّ في نهاية الأمر وبأي شكل من الأشكال. بل ولن يخرج حتى خلية واحدة...).
    إن تفنيد نظرية التطور لداروين جملة وتفصيلا واثبات بطلان جميع فقرات وبنود هذه النظرية سوف يقوض ما ترسخ في أذهان وأفكار مؤيديها ويساعد على التخلص منها. وهكذا ستظهر جميع التناقضات والأمور غير الممكنة والبعيدة عن التصديق والتحقق. وقد استطاع سيدنا إبراهيم ( ع) بفضل ذكائه وأفقه الواسع، وبالاعتماد على إيمانه العميق بربه، من إثبات استحالة اعتبار الأصنام المصنوعة من الحجر والخشب أو الأجرام السماوية والشمس والقمر، مقبولة ولائقة للعبادة. وقد جاء آراءه بأمثلة وأدلة دامغة. هذا النبي الكريم المؤيد من الله والمتمسك بفضائل الأخلاق والملتزم سبيل الحكمة والعقلانية خير قدوة للمؤمنين الذين يتمسكون بنهجه والساعين إلى ما كان يسعى إليه من تبليغ رسالة التوحيد.
    ونقطة أخرى يتشابه فيها عبدة الأصنام من قوم إبراهيم (ع) مع الداروينين والماديين ويشتركون فيها معهم، ألا وهي ردود أفعالهم تجاه القائمين بأمور تبليغ رسالة الوحيد والإيمان. لقد اعترف المشركون بأنهم صنعوا أصنامهم وأنها لا تقدم لهم أية منافع ولا تصيبهم بأضرار. والآية الكريمة " فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ(64) (الأنبياء)". تخبرنا بحقيقة اعترافهم. ولكن رغما عن كل شيء وقبول كونهم على عقيدة باطلة، تمسكوا بالكفر ورفضوا التخلي عنه. كذلك هو شأن الداروينين الذين شاهدوا انهيار نظريتهم وتقوضها أمام إثباتات العلم الحديث والقواعد الثابتة، وأنها فقدت جميع مقوماتها وأسسها التي بنيت عليها. ( للمزيد من التفاصيل أنظر – اعترافات التطوريين- الطبعة الثانية، هارون يحيى). إن الأدلة والإثباتات التي يحكيها وتتحدث فيها المخلوقات البديعة عن نفسها، تزيد من قوة ومتانة الإيمان بالله وتضيف خيبة أمل كبيرة للمنكرين والملحدين من أنصار نظرية التطور، وتثبت بطلان رأيهم. إن قوة وروعة التصاميم في المخلوقات الحية خاصة، وتعقيد الأنظمة والأجهزة فيها، والتفاصيل الخلقية التي تمتاز بالروعة والدقة والتي يتم اكتشافها من قبل رجال العلم يوما بعد يوم، تجعل نظريات التطور عرضة للتفتت ثم التلاشي الواحدة بعد الأخرى. ولكن أنصارها لا يريدون قبول هذه الحقائق وإن كانوا يذكرون بعضها بين الأسطر، مصرين على تكرار أقوالهم بصورة تلقائية ويغلقون أبصارهم عن رؤية الحقائق.
    وهنا، يجب أن لا تغيب عن بال الذين آمنوا حقيقة مهمة وهي أنه. ليس المهم أن تلفظ حقيقة معينة بلسانك وتدعي الإيمان بها في الظاهر فقط. بل الوصول إلى الحقيقة والتصديق بها يكون من داخل القلب والضمير. إن أنصار نظرية التطور يؤمنون في دواخلهم بحكمة وعظمة الخلق، ولكن عدم الاعتراف بها لفظا وعيانا لا يغير من الحقيقة في شيء. كما وأنهم رغم اقتناع ضمائرهم يصرون على الإنكار. وهذا دليل على ما ورد في القرآن من حقيقة " أنه لن يؤمن منهم إلا قليل".
    إن الواجب الملقاة على عاتق أهل الإيمان هو المضي وبإصرار وبصورة مستمرة على تزويد وتكرار الدلائل وذكر الحقائق المتعلقة بالخلق، وإيجاد أساليب وإجراءات جديدة، والتوسل بكافة الوسائل المنطقية والذكية في تبليغ رسالتهم ودعوتهم إلى معرفة الله تعالى والدخول في صراع فكري متين مع المنكرين وبعزم وثبات. إن الذين يتحملون عبء هذا الصراع يجب أن يكونوا من أهل الإيمان والتدين ومن المتوكلين على ربهم والمسلمين أمورهم إليه، لأن دخول الإيمان إلى قلوب المخاطبين لهم، مرده إلى الله وحده. فإذا ما أراد لهم الهداية فإن ما يقوم به المؤمنون من أفعال وأقوال إنما تشكل سببا للهداية.
    كان سيدنا إبراهيم ( ع) مثال الإنسان الصابر المتوكل على ربه في سلوكه في الدعوة والتبليغ. فقد آمن أن الله مع المؤمن الصابر، وكل ما سيحصل فبعلمه وارادته وأن الخير في كل ما يحصل مهما بدت مظاهرها. وأمام تهديدات قومه بذل كل ما في وسعه ثم ترك استحصال النتائج إلى ربه وهو على ثقة واطمئنان قلب. وأمام هذا الإيمان والتوكل، كان الله معه دائما، والتوفيق و النجاح حليفه.
    * ( الصراع الفكري لسيدنا إبراهيم ( ع) ).
    كان قوم سيدنا إبراهيم ( ع) على كفر وإلحاد كبير وذوي بأس شديد وإصرار عجيب على الضلالة. ودخلوا معه في مناقشات وجدال كثير، ولكنه كان صابرا وثابتا على إيمانه، يشكر ربه ويحمده على نصره له ويتوكل عليه. وقد لجأ إلى الإتيان بأدلة رائعة لتعزيز موقفه بما أعطاه الله من فكر نير وعقل ثاقب وحكمة بالغة، ووقف أمامهم عزيزا صامدا، مبديا من حسن التصرف والأخلاق الحميدة أفضلها،ومظهرا تجاههم كل الرحمة والشفقة. وبفضل ما توسل بها من دلائل دامغة استطاع تفنيد رأي المشركين وتسفيه مواقفهم جميعها. وأثبت لهم عقم عقائدهم التي لا تتلاءم مع أي عقل أو منطق سليم، ويخالف ما أوحى به الله تعالى من الحقائق.
    غير إن قومه وعلى رأسهم أباه آزر استعملوا معه أشد الوسائل وأقسى الإجراءات، في حين أنه لم يلجأ إلا إلى الوسائل التي تعتمد الرأي والفكر والمنطق مما يعطي المثال الجيد للمؤمنين في هذا المجال. ولكن قومه قابلوه بأقسى الوسائل وأشدها بدءا من التهديد والوعيد والتخويف بالإبعاد والنفي وانتهاء بالوعيد بالرجم والقتل. فكان جوابه لهم يعتمد السماحة واللين واللطف. هذه الشيم والأوصاف الكريمة، أوصى بها القرآن جميع المؤمنين.


    ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(125) (البقرة)
    ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34) (فصلت)
    وأمام هذا الموقف الصعب الذي وقفه قومه معه، كان سيدنا إبراهيم ( ع) مصرا على مبدئه وعقيدته، صابرا على أذاهم ومسلما أموره إلى ربه ومتوكلا عليه ومستمرا في تبليغه لدعوته إلى الإيمان والتوحيد:-
    ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (51) (التوبة)
    واستمر طوال عمره في الجهاد والتبليغ بكل اندفاع وشوق وثبات، دون أن ينتظر لقاء ذلك سوى رضا ربه عنه وما وعده من النعيم الأبدي المقيم.
    من الحقائق التي يجب أن لا تغيب عن البال، أن الإيمان يصبح أمرا يسيرا وسهلا في مجتمع كلهم مؤمنون بالله ويسعون لنيل رضاه. ولكن الإيمان والثبات عليه في مجتمع أكثريته كافرة وناكرة لربها يصبح من الأمور العظيمة التي تكتسب قدرا عظيما من الإجلال والتقدير ( والله أعلم). وهذه الصفات العظيمة جعلت من سيدنا إبراهيم ( ع) إنسانا عظيما ونبيا كريما.
    نشاهد بعض المؤمنين في أيامنا هذه، يقعون في إحباط ويأس مما يدفعهم إلى التخلي عن أدوارهم في الدعوة والتبليغ لما يرونها في مجتمعاتهم من طغيان الفساد وفكرة الإنكار وتفشي الأخلاق غير القرآنية. وتخبوا عندهم الرغبة والشوق إلى ما من شأنه جلب رضا الله ومحبته لهم. والمطلوب من المؤمن المسلم أن يسير ثابتا في سبيل ربه وينظم عيشه حسبما يريده ربه له رغم كل ما يحيط به من معالم الظلم والكفر. وفي الآية الآتية يذكر الله كيف أن سيدنا إبراهيم ( ع) عاش وحده متوجها إلى ربه وحده : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) (النحل) وهذا يدفع بالمؤمنين لكي لا يتراخوا أو يسمحوا لليأس أن يدخل إلى نفوسهم أمام كيد الكافرين مهما كان شديدا عليهم.
    * ( محاولة رمي سيدنا إبراهيم ( ع) في النار )


    بالنظر لما شاهده الكفار من قوم إبراهيم ( ع) من تحطيم أصنامهم والإهانة التي تعرضوا له من جرائه، أخذتهم العزة بالأثم، وفكروا في إجراء مقابل بحقه، ولجأوا إلى خطة ظالمة تقضي يحرقه في النار:-
    ( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ(97)فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَسْفَلِينَ(98) ( الصافات)
    وفي آية أخرى نذكر مدى حرص قومه على إلحاق الأذى به وكيد المكائد له :-
    ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(24) (العنكبوت)
    إن لجوء قومه إلى اتخاذ هذه الإجراءات القاسية والشديدة في أشكالها تدل على مدى إصرار الكفار – رغم ظهور دلائل الحق المبين أمامهم- وقسوتهم تجاه أنبياء الله والذين اتبعوهم من أهل الإيمان، وعدم تحملهم رؤية المؤمنين أو سماع ما يقولون. ويذكر القرآن حوادث وحقائق أخرى حول ظلم المنكرين لأهل الإيمان:-
    ( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ(4)النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ(5)إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ(6)وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ(7)وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(8) (البروج)
    ولكن الله تعالى يبطل كيد المجرمين ويفسد عليهم كيدهم وخططهم اللئيمة.


    تبدو للوهلة الأولى أن كثرة جموع المشركين وشدة بأسهم كانت ستؤدي بسيدنا إبراهيم ( ع) إلى الحرق في النار. ولكن قدرة الله هي التي تدفع النار إلى اكتساب صفة ( الحرق)، كما وأن الموت شأن يقرره الله تعالى وبيده حكمه. في تلك اللحظة الحرجة يأتي أمر الله إلى النار أن تكون " بردا وسلاما" ويرد كيد الكافرين إلى نحورهم.

    ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81) (الأنعام)
    ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ(70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) (الأنبياء)
    وكما أنقذ الله أنبياءه وكان مددا وعونا لهم، كذلك كان مع سيدنا إبراهيم ( ع) في هذه اللحظات الحرجة والعسيرة. مثله مثل ما حصل لسيدنا موسى ( ع) وقومه حينما أدركه فرعون وجنوده، وفي اللحظات الأخيرة شق الله لهم البحر فعبروا، وأغرق عدوهم في لجج البحر. كل هذه الأمثلة معجزات من رب العالمين في نصره أنبياءه ومن تبعهم في طريق الهداية. وفي سيرة سيدنا إبراهيم ( ع) وصبره وثباته وتسليم أموره لربه وتوكله التام عليه، قدوة حسنة لكافة أهل الإيمان في كل عصر وزمان. ولقد كان إيمانه العميق يجعله يرى كل ما يجري إنما هو ضمن تقدير محكم وخطة ربانية. لذلك أيقن أن أمر الله لا محالة واقع، ونصره وتوفيقه لأهل الإيمان لا بد آت وهو معهم دائما، وهذا وعده لهم، ولن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا ( الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا (141) (النساء). كل هذه الحقائق تدفع المؤمنين إلى الإيمان الشديد بقضاء الله الذي لا مرد لتقديره، وعليهم التوكل عليه والتمسك به وطلب العون والمدد منه أمام المصاعب والمحن.

    ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ(157) (البقرة)
    هكذا نصل إلى قناعة، بأن كل المحن والمصاعب أمام المؤمنين إنما هي اختبار وامتحان وراءه كل الخير. وما عليهم إلا الثبات والعزيمة، والصبر والتجلد، والترابط والتوكل على الله وطلب العون منه وكسب رحمته ورضاه.
    إن ما يتخذه الكفار من مؤامرات وما يكيدونه ويخططون له من سوء، يجب أن لا يدفع المؤمنين إلى الحزن والأسى والشعور بالضيق، بل على العكس يجب أن يكون عاملا لزيادة التعلق بالرب وتقوية الإيمان واليقين والشوق إليه. وفي هذا الخصوص يخاطب القرآن رسولنا محمد ( ص) :-

    ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127)إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ(128) (النحل)
    * من قصة سيدنا إبراهيم ( ع)، إشارات إلى أيامنا *
    في قوله تعالى ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ(69) (الأنبياء)، يخبرنا تعالى أن النار لم تؤذ سيدنا إبراهيم ( ع) مطلقا، وهكذا خاب فأل الكافرين واسقط في أيديهم ولم ينله أذى أو سوء. وفي هذه الآية إشارة وتلميح لنا ونحن وفي أيامنا هذه. ( ... الله أعلم ...).
    ومن المعلوم لنا والثابت في أيامنا هذه، أنه يمكن صنع نسيج وقماش يتمتع بمزايا تكنولوجية عالية. تصنع منها ملابس وخيوط ومعدات تقاوم الحرارة ولا تتأثر بالنار أو المواد الحارقة الأخرى. وهذه المواد تقاوم اللهب وتشتعل ببطء شديد. وعند انقطاع مصادر النار تعود فتنطفئ وبسرعة. وهذه المزايا تكسب من يرتدي هذه الملابس مزيدا من الضمان والأمان وكسب الوقت الحرج، وكذلك تؤمن حرية التحرك والتصرف.
    فالأنسجة والألياف والأقمشة المصنوعة من مواد كيمياوية ( مثل الزجاج والآراميد والنوفوليد والكبريت والساران وأمثالها) لا تلتهب عند تماسها بالنار وتقاوم الحرارة العالية. وتخضع هذه المنتوجات الخاصة لاختبارات وتجارب عديدة للتأكد من خصائصها الفيزياوية والكيمياوية. وتصنع وتخاط منها الملابس بكل أشكالها من قمصان وسراويل وأغطية للرأس وأحذية، يختص باستعمالها الذين يعملون في المجالات الصناعية والظروف الصعبة مثل مصانع تكرير النفط والمواد الكيمياوية والحديد والصلب وتأسيسات الكهرباء والغاز وصناعة الألمنيوم، وأعمال اللحام، والصناعات الإنشائية وإطفاء الحرائق ومكافحة الانفجارات.(4)
    ويمكننا استخراج المعاني والتأويلات من الآيات المذكورة فيما سبق، تدل على نوع من التوقع والتنبؤ بما يحصل من الصناعات والاختراعات ومن ضمنها الأنسجة المقاومة للحرائق واللهيب والنار. ( ولكن الله أعلم وعنده الخبر اليقين).
    * الحكم في دعوة سيدنا إبراهيم ( ع)
    " دعوة الناس إلى معرفة الحق والصواب عن طريق طرح الأسئلة عليهم"
    قام سيدنا إبراهيم ( ع) بإلقاء سؤال على عبدة الأوثان جلب به انتباههم إلى عجز آلهتهم وأوثانهم وبطلان عقيدتهم.
    ( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ(66) (الأنبياء)
    إن الوسيلة المتبعة والمعتمدة على طرح الأسئلة يجعل المخاطب يشعر بموقفه بنفس المنطق الذي يستعمله هو، وهذا إجراء مهم من وسائل التبليغ. فالملحدون والناكرون لوجود الله تصيبهم صدمة قوية عند إلقاء أسئلة عميقة وحكيمة عليهم. ذلك لأن وجوب وجود الخالق واضح أمام الأعين لقوة الدلائل عليه. كما واضح أيضا ركاكة منطق العيش بعيدا عن العقيدة والإيمان الصحيح بالخالق. أما الذين يحكمون ضمائرهم وعقولهم فهم يدركون قدرة الله تعالى ومقدرته العظمى على التحكم بالمخلوقات جميعا، بحكمته وعلمه بكل شيء. وينظمون حياتهم وطرز معيشتهم طبقا لأوامره، متوخين من ذلك نيل رضاه. أما الذين يقعون تحت سيطرة الشيطان والغافلون عن الحق، فيجب إيقاظهم من غفلتهم، وإحساسهم بأنفسهم ومشاهدة الحق الواضح. وخير سبيل لتحقيق ذلك طرح الأسئلة عليهم بما يؤمن إيصالهم إلى بداية طريق الهداية. وفي القرآن، العديد من الآيات التي تدعو الناس إلى التفكير وعن طريق طرح الأسئلة عليهم:-
    ( أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68)أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ(69)لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ(70)أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ(72)نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ(73)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ(74) (الواقعة)

    ( يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(32) (الأحقاف).
    ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا(6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8)ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا(9) (نوح).
    عندما يقوم المؤمنون بدعوة الناس إلى التمسك بالأخلاق القويمة وأحكام الدين، فإنهم يتخذون أساليب وإجراءات عديدة بحسب ما يتمتع به المخاطب من صفات وما يتخذه من ردود أفعال وتصرفات، ويجربون وسائل مختلفة لكل حالة. فإذا كان المخاطب يتمتع بعقل راجح وضمير حي ويتلقى آيات الله بعقل واع وقلب متفتح، فيكون قريبا جدا من الإيمان بالحق، ويكون تأثير الدعوة عليه إيجابيا والتبليغ سهلا وسلسا. أما إذا كان أفراد المجتمع يتصفون بما كان عليه قوم سيدنا إبراهيم ( ع) من الظلم والتعسف والقسوة، فإن الوسيلة المتبعة عندها تعتمد على إيقاظهم من غفلتهم وصدمهم بقوة وعنف ليواجهوا الحقيقة الناصعة. وأمثال هؤلاء لا يعترفون بقبول الحق المبين، ولو اقتنعوا به في دواخل أنفسهم فإن كبرياءهم وغرورهم يمنعهم من التنازل عما هم متمسكون به، ويعاندون في البقاء على الباطل ويرفضون حتى إعطاء آذان صاغية إلى سماع الرأي الذي يخالف رأيهم. وأمام هؤلاء الملحدين فإن طرح الأسئلة وسيلة ناجحة وحكيمة لضعضعة مواقفهم وكسر عنادهم. وبذلك يقع في تناقض مع ما يحمله من أفكار ويكون شاهدا بنفسه على سخف وتفاهة ما يحمله من معتقدات وآراء. والحكمة الأخرى من وراء طرح الأسئلة هي قطع الطريق على المخاطب من التخلص من النقاش، لأن الإنسان – وكما يقول ذلك القرآن أيضا- مخلوق مفتوح أمام المناقشة وتبادل الرأي. لذا فهو يضطر إلى اللجوء إلى الدفاع عن رأيه في حالة فتح المناقشة معه وإسماعه رأيا مخالفا لما يحمله. وخير وسيلة لمنع اللجوء إلى الجدال العقيم هو طرح الأسئلة بطلب الإجابة عليها، مما يضطر المخاطب إلى مناقشة وتحليل أفكاره. إن الشيطان يوسوس للإنسان بالابتعاد عن سماع كل ما يدور من مواضيع حول الجنة والنار والحساب في اليوم الآخر، حتى يقطع طريق التفكير والتعمق فيه. وهنا تبدأ الأسئلة المطروحة بفتح الأذهان للتفكير والخوض في مواضيع لم يسبق الإطلاع عليها، مثل حقائق وجود الله تعالى والهدف من الحياة وماذا سوف يحصل بعد الموت، والحساب يوم القيامة وأمثالها.

    * أهمية إظهار الشجاعة والوضوح والصراحة في الدعوة والتبليغ
    إن سيدنا إبراهيم ( ع) نبي كريم دعا الناس إلى الهداية ومعرفة الله تعالى، وهو مثل بقية أنبياء الله الكرام أرشد الناس إلى طريق الإيمان القويم، ودعاهم إلى التقرب من ربهم لنيل رضاه وكسب أفضاله ونعمه، والتحلي بالأخلاق القويمة وتنظيم حياتهم ومعيشتهم في حياتهم الدنيا في إطار التهيؤ لليوم الآخر. وكان من وسائل الدعوة التي انتهجها المرسلون أمثلة لما يجب على المؤمنين اتباعها من سبل ووسائل ناجحة في نشر دين الله وتبليغ رسالته إلى الناس كآفة.


    كان الناس الذين قام الأنبياء بدعوتهم يتصفون بكثير من الظلم والقسوة والجبروت. ولكن ربنا الكريم – وكما جاء في الآية التي يوجه رسولنا الكريم فيها- ( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15) (الشورى)، اختار الأنبياء والمرسلين من بين الناس لما كانوا يتمتعون بها من إيمان عميق واستقامة وتقوى وأخلاق رفيعة لتبليغ رسالته والدعوة لإتباع دينه، يبتغون الأجر والثواب من الله وحده.
    وكان يواجه سيدنا إبراهيم ( ع) قومه الذين أصروا على الكفر والإنكار بعناد وتمسكوا بآرائهم ودافعوا عنها، ودخلوا في مناقشات وجدال مهما قدم لهم من أدلة واثباتات على ضعف عقيدتهم وبطلان مبدأ الشرك بالله:-
    ( وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ(80)وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83) (الأنعام)
    من خصائص التبليغ الذي قام به سيدنا إبراهيم ( ع)، إخلاصه وصراحته. وعندما كان يتحدث إلى مخاطبيه عن وجود الله تعالى كان ينزل إلى أعماق ضمائرهم بأقوال صريحة وحجج دامغة، يحذرهم من الاعتماد على غيره أو الخوف من أي مخلوق أو إظهار العبودية لغير الله، مظهرا من الشجاعة والثبات على العقيدة القدر العظيم. وكان يكرر ويذكرهم بمدى ضحالة تفكيرهم في اتخاذهم الأصنام معبودا. وفي هذا المجال، يخبر القرآن المؤمنين ما يجب أن يقوموا به:-
    ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا(63) (النساء)
    إن الإيمان العميق الذي كان في قلب سيدنا إبراهيم ( ع) دفعه إلى التوجه إلى قومه الذين وقفوا كلهم ضده وأمام رسالته، مخاطبا إياهم بأسلوب فيه الحكمة والمنطق السليم الصادر من إيمانه العميق واندفاعه وحماسه لتبليغ رسالته.ولما كان قومه عبارة عن حشد من الجهلاء لا يعيرونه انتباههم ولا يصغون إليه، فقد لجأ إلى أسلوب آخر، وأجاب على حججهم بآيات بينات.
    وفي آية قرآنية يأمر الله تعالى المؤمنين:
    ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(20) (آل عمران)

  • #5
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    التفكير العميق والتحرك ضمن خطة*
    بحثنا في الفصل السابق لجوء سيدنا إبراهيم ( ع) على العديد من الوسائل والأساليب في مخاطبة قومه عند التبليغ عن دعوته. ويتضح وجود تخطيط مسبق لما قد يتعرض له أو يجابهه منهم. ويخبرنا القرآن أن الأنبياء امتازوا بمزايا جسمانية وعقلية فائقة وهبها الله لهم وهيئهم لتحمل أعباء الرسالة وتبعاتها من فكر وقاد وحكمة رصينة وعلم غزير وإدراك وبصيرة ثاقبة. وتظهر هذه الخصائص بجلاء في شخص سيدنا إبراهيم ( ع). وقد حمل فعلا الأمانة التي كلفها بها الله تعالى وعلى أجمل صورة وأكمل وجه مستخدما كل ما توفرت له من إمكانات في سبيل تبليغ الرسالة إلى قومه.
    كان في مواجه سيدنا إبراهيم ( ع) حشد من الناس، وصل بهم الحال من الضيق منه إلى تهديده بالنفي أو الرجم بل والقتل والإبادة. غير إنه أفسد عليهم كيدهم وتآمرهم بادعائه المرض فأبعدهم عنه:


    ( إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ(85)أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ(86)فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(87)فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ(88)فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ(89)فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ(90) (الصافات)
    ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(36) (النحل)
    إن قيام سيدنا إبراهيم ( ع) بإبعاد المشركين عنه، يعتبر خطة ناجحة لأنه تخلص من أذاهم وشرهم. وعندما بقي وحيدا قام بتحطيم الأصنام، ولو لم يكن قد قام بهذا الإجراء لما خلا له الجو للتحرك والتصرف مع الأوثان. إن هذه الخطة الدقيقة تدل على مدى عمق الإيمان لديه وشدة تعلقه بربه واندفاعه وشوقه لتنقية أفكار المشركين من الشرك وعبادة الأوثان، وتبليغ رسالة ربه. وقد أظهر شجاعة نادرة بتحمله كافة المخاطر ومتجاوزا المصاعب والعقبات. لم يكن ينتظر أي أفضال أو منفعة من أحد، وقابل السيئة بالحسنة متوخيا بلوغ منزلة رفيعة عند ربه.
    إن القرآن يذكر لنا مثالا آخر في تطبيق مبدأ " إظهار الخلل في شيء ما يهدف إنقاذه من يد الظالم"، وذلك في قصة سيدنا موسى ( ع) مع الرجل الصالح خضر ( ع) وكما ورد في الآية:
    ( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا(71) (الكهف)
    ( وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا(79) (الكهف)
    كان العبد الصالح خضر ( ع) قد أعطاه الله علما من لدنه. وقام بخرق السفينة ليعيبها لما يتوقع حصوله في المستقبل.ويرد في الآيات ثناء ومديح لسيدنا خضر، وذكر لفضائله وتقواه وتوكله على ربه، وأنه لا يأتي منه إلا الخير والبركة. فهو عندما خرق السفينة كان له من وراءه أهداف وغايات. لأنه كان يعلم أنه هناك ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وبذلك حاول معاونة الفتية المساكين الذين لا يملكون غير هذه السفينة. ودفع عنهم ظلم الظالمين. ولجأ إلى عمل عيب ظاهر في السفينة ليبعد أطماع الملك وكان تخريبه بدرجة مقبولة يمكن إصلاحها مستقبلا بيسر وسهولة، واستخدامها ثانية بعد أن يكونوا قد أنقذوها من الغصب والاستيلاء.
    وتوضح الآيات شخصية سيدنا خضر والتزامه بتنفيذ أوامر ربه دون تردد أو تماهل، وشعور الرحمة والشفقة تجاه المقهورين من الناس وقيامه بمساعدة المؤمنين ومعاونتهم، وصبره على الشدائد وقوة قراره وثباته عليه إلى جانب حكمته وعقله الراجح. ( لمزيد من التفاصيل، راجعوا : علامات آخر الزمان في سورة الكهف، لهارون يحيى).
    وقام سيدنا إبراهيم ( ع) بخطة مماثلة بشأن الأصنام عندما حطمها جميعها تاركا صنما واحدا فقط. وعندما رأى المشركون ما حصل لآلهتهم حاولوا اتهام سيدنا إبراهيم ( ع) ومعاقبة على ما قام به، وهنا ظهرت الخطة التي كان سيدنا إبراهيم ( ع) قد أعدها مسبقا لمواجهة الموقف:
    ( قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ(63) (الأنبياء)
    ( وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) (الكهف)
    هذا الجواب المفحم من سيدنا إبراهيم ( ع) وضع القوم في موقف محرج أمام حقيقة كونهم يعبدون أصناما جامدة من أحجار وأخشاب صماء يدّعون قدرتها على التحكم في تسيير أمور الكون. وفي وقت وقعت صاغرة وحقيرة ومتناثرة الأجزاء. ولم يحيروا جوابا. ذلك لأن الأصنام الجامدة لم تستطع عمل أي شيء لحماية نفسها ودفع الضرر والأذى عنها. هذه حقيقة واضحة أمامهم لا يقدرون ردها أو إنكارها، ولكنهم لا يقدرون على الاعتراف بها رغم اقتناع ضمائرهم ودواخل أنفسهم. وسبب هذا التعنت ذكره القرآن الكريم بـ ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ(14) (النمل).
    ومما يلاحظ في دعوة سيدنا إبراهيم ( ع) هو قيامه بتسفيه آراء وعقائد قومه بشكل تام قبل أن يقوم بتبليغهم برأي بديل. وهذا فضل كبير من الله عندما أعطاه الحكمة البالغة وحسن الخطاب والحجة المقنعة، والتي أظهرها جميعا في أساليب دعوته وقضى تماما على ما كان يتوسل به قومه من مبادئ وعقائد منحرفة بعد أن عرى حقيقتها وأظهر بطلانها. هذا الرسول الكريم الذي أرسله ربه نذيرا ومنقذا لقومه استطاع بفضل الله وعونه أن يظهر بطلان وخسران الشرك، وتقديم دين الحق المبين وعقيدة التوحيد وعبادة رب العالمين المقتدر على جميع خلائقه.
    هذه الدعوة الإلهية وما اتبعها سيدنا إبراهيم ( ع) من وسائل التبليغ التي ذكرناها، تعتبر قدوة صالحة لكل المؤمنين لأخذ الدروس منها والإقتداء بها في بيان ونشر الأخلاق القرآنية. وقد أظهر سيدنا إبراهيم ( ع) مدى الحكمة في اتباع أسلوب تفنيد وتهوين رأي المشركين قبل البدء بتقديم الرأي البديل المستمد من الوحي الإلهي في الدعوة إلى عبادة الواحد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء والمحيط بكل المخلوقات التي أوجدها من العدم، صاحب القدرة والجبروت والذي بفضله وإرادته – إذا ما شاء ذلك- يفتح قلوب البشر أمام دين الحق بيسر وسهوله.
    * سيدنا إبراهيم ( ع) يستقبل رسل ربه *
    من نعم الله تعالى على سيدنا إبراهيم ( ع) إرسال الملائكة لنصرته ودعمه، وكما يخبرنا القرآن فقد أتاه رسل ربه على صورة وشكل بشر:-
    ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24)إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ(25) (الذاريات)
    ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69) (هود)
    ويظهر أن سيدنا إبراهيم ( ع) أدرك أن ضيوفه ليسوا بأناس عاديين. فقدم لهم من صنوف التكريم وحسن الضيافة، مما يظهر سلامة التصرف المطلوب من المسلمين الالتزام به، وهي إكرام الضيف حتى قبل أن يبادر بطلبه، وكما قام به سيدنا إبراهيم ( ع) في إعداد ما يتطلبه هذا التكريم دون إشعار الضيوف بها مقدما.
    ( فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ(26)فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(27) (الذاريات)
    لم يسألهم إذا ما كانوا بحاجة إلى طعام ولم يشعرهم أنه أعد لهم عشاءهم، لأن الضيف عادة يتردد في إظهار أي طلب من مضيفه وخاصة حاجته إلى الطعام. إن إعداد متطلبات الضيافة التي أبداها سيدنا إبراهيم ( ع) دليل على مدى الاهتمام والتقدير لضيوفه، عندما قدم لهم " عجلا سمينا" يدل على التقدير العالي وحسن الضيافة بأجمل صورة. وعندما دعاهم " ألا تأكلون" أظهر أيضا من الآداب الرفيعة ما تصلح أن تكون مثالا.
    * ما جاء رسل الله من بشائر *
    هذا التصرف الغريب من الضيوف تجاه مضيفهم رغم ما أظهره من كرم وحسن استقبال وضيافة، أوجد لديه بعض الشكوك واقتنع أن وراءهم أمر جلل. وهنا أظهر هؤلاء الملائكة الذين تقمصوا صورة بني البشر، أدبا جما وتصرفا لائقا معه، مما زاد من حيرته معهم. وأخيرا كشف الضيوف عن هوياتهم الحقيقية وفاجأوه بإخباره البشارة بولادة خلف له:
    ( إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ(52)قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ(53) (الحجر)
    أمام هذا الخبر المفاجئ، سيطرت الحيرة عليه وعلى زوجته لأنهما كانا قد تقدما في العمر كثيرا، ولأن امرأته كانت عاقرا، وجاء جوابه لضيوفه:
    ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(54)قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ(55) (الحجر)
    ( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71) قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(72) (هود)
    اعتبر سيدنا إبراهيم ( ع) هذا الخبر المفرح معجزة كبرى، وعندما سألتهم زوجته كيف يتسنى لها أن تلد وهي بهذا العمر، جاءها الجواب: ( قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(30) (الذاريات). وفي آية أخرى يذكر الله حيرة إبراهيم وزوجته والتي ما كان لها أن تحصل:
    ( قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(73) (هود)
    وأخيرا قام الضيفان بتذكير سيدنا إبراهيم ( ع) :
    ( قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ(55) (الحجر)
    أن اليأس والقنوط من رحمة الله من صفات المبتعدين عن الدين وتعاليمه. الذين يقعون في الإحباط عندما لا تتحقق إحدى أمنياتهم. وهذا فيه الكثير من معاني عدم التقدير لرب العالمين. ولكن سيدنا إبراهيم ( ع) كان من حسن الشيم ما جعله يتوقع أن تصيبه رحمة ربه في كل آن وحين.
    إن المؤمن يعرف قدرة الله تعالى ويدركها جيدا. ويأمل من ربه تحقيق مطاليبه وهو واثق منه تعالى. وهنا يجب عدم نسيان حقيقة أن الله هو الذي يتحكم ويقدّر تهيئة الأسباب التي تأتي منها النتائج، وهو الذي خلق وأوجد سنن الطبيعة وقوانينها. وإذا أراد تحقيق أمر فيكفيه أن يقول له " كن" فيكون. ولأن كل شيء ممكن عند الله، فالمؤمن يبقى على أمل وثقة دائما. وفي الآية يظهر لنا الله قدرته المطلقة:
    ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) (البقرة)
    هذا السر الإلهي الذي فهمه وأدركه الإنسان المؤمن، يجعله يعتقد جازما أن كافة المصاعب والعقبات التي تظهر أمامه إنما هي من تقديره. تعالى، فالذي أوجد وخلق " العقم" قادر على عكس الأمر تماما. وهذا ما حصل فعلا في قصة سيدنا إبراهيم ( ع)، فأنعم عليه ربه بخلف صالح رغم تقدمه في العمر ووضع زوجته العاقر. فالذي يحي ويميت والذي ينعم بالحياة هو الله جل شأنه.
    هكذا يخبرنا الله تعالى عن إحدى معجزاته حينما منح سيدنا إبراهيم ( ع) وزوجته طفلهما في وقت لم يخطر ذلك على بالهما لاستحالة الأمر كما يظهر لهما. وربما في هذه الرواية تلميح واشارة من بعيد إلى إمكانية إيجاد علاج للعقم كما يحصل في أيامنا هذه نتيجة الأبحاث الطبية والتقدم العلمي ( والله أعلم ...).
    ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83) (ياسين)
    * ما جاء الرسل من أخبار

    كان الخبر الأول الذي جاء بها الرسل إلى سيدنا إبراهيم ( ع)، البشارة بولادة طفل له سوف يكون من الصالحين. والخبر الآخر هو عن هلاك وفناء قوم لوط ( ع) الذي كان قد آمن معه ( كان سيدنا لوط ( ع) قد أرسله الله إلى قوم يعملون الخبائث، لإرشادهم إلى الهداية وترك هذه العادة القبيحة – إتيان الذكور دون الإناث-. وكان قد عاصر سيدنا إبراهيم ( ع) وعاش في نفس المنطقة الجغرافية. ( سنورد تفاصيل عن حياته وسيرته في القسم الثاني من الكتاب).
    ويذكر لنا القرآن كيف جاء سرد هذا الخبر:-
    ( قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34) (الذاريات)
    ثم تستمر الآيات في سرد ما جرى بين رسل الله وسيدنا إبراهيم ( ع):-
    ( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(4)مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(5)وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(6)وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ(7) وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(8)وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ(9)وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ(10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ(11)وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(13)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(15)وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(16)إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(17)وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(19)قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ(21)وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(22) أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(24)وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(25) وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(27)وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ(28)أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ(29) قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ(30)وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ(31)قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ

    مِنْ الْغَابِرِينَ (32) (العنكبوت)
    ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ(74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75)يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ(76) (هود)
    وفي سورة أخرى، يرد خبر هلاك قوم لوط على الشكل الآتي:
    ( قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(58)إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59)إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ(60) (الحجر)
    إن الله تعالى أخبر في كتابه الحكيم أن المؤمنين لن تصيبهم أذى رغم عيشهم وسط قوم من الكفار والمشركين والذين يعادون الله ورسله. ولهذا فقد أخبر الرسل سيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط ( ع) ما ينبغي لهما أن يقوما بها من إجراءات وقائية، وعلى أثر ذلك هاجرا ومن معهما من المؤمنين وابتعدوا عن تلك المناطق التي سوف تتعرض لغضب الله.
    * أبناء سيدنا إبراهيم ( ع) *
    " سيدنا إسماعيل وسيدنا اسحق ( ع)"
    جاءت البشارة بإنعام الله على سيدنا إبراهيم ( ع) بولد صالح بعد أن كان قد دعا ربه أملا في لطفه وكرمه عليه بهذا الشأن :
    ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ(100) (الصافات)
    كان دعاؤه من الله أن يسعده بإنسان صالح وليس مجرد خلف من نسله، ليقوم من بعده بتحمل مسؤولية الاستمرار بالدعوة إلى الله وتوحيده. وظهر من جوابه إلى ضيوفه الرسل عدم توقعه ولادة من يخلفه. عند ذلك جاءته البشرى من ربه " غلام حليم" :- ( قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(54) (الحجر). ولكن الله تعالى أظهر إحدى معجزاته ووهب له ولدا صالحا من امرأته العاقر بعد أن بلغا من العمر عتيا:-
    ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ(101) (الصافات)
    هذه المعجزة الربانية في قصة سيدنا إبراهيم ( ع) تكررت وبنفس الصيغة مع سيدنا زكريا ( ع)، حيث بشره ربه بولد صالح يخلفه من بعده:-
    ( ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا(2)إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(6)يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا(7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنْ الْكِبَرِ عِتِيًّا(8)قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُنْ شَيْئًا(9) ( مريم)
    ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101) ( يوسف)
    ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132) ( البقرة)

    وكان سيدنا زكريا قد دعا ربه أيضا بولد يخلفه ويرثه من بعده، وهنا لا بد أن نذكر أن الهداية هبة من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56) (القصص).
    ولنا في سيدنا نوح ( ع) خير مثال. فهذا النبي الكريم الصابر على كفر قومه والذي بذل في سبيل هدايتهم الجهود المضنية طوال سنين عديدة يدعوهم فيها، كان ابنه ممن لم يهتدوا معه بل أصر على الكفر والعصيان، فأهلكه الله مع بقية قومه من الكفار وغرق معهم في الطوفان ( قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ(43) ( هود).
    لقد بشر الله سيدنا إبراهيم ( ع) بأولاد صالحين. ويذكر لنا القرآن أنهم من أنبيائه المختارين ومن الصالحين والخاشعين من عباده، وهما سيدنا إسماعيل وسيدنا اسحق ( ع) اللذان كانا خير خلف لخير سلف من حيث الالتزام بالخلق والشيم الفاضلة من التوكل على ربهم والسعي لكسب رضاه ورحمته. وبعد أن جاءته البشرى سارع سيدنا إبراهيم ( ع) إلى مناجاة ربه مبديا من الشكر والثناء ما ورد نصه في القرآن:
    ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39) ( إبراهيم)
    يصف القرآن مزايا سيدنا إسماعيل ( ع) بأنه كان صديقا نبيا وكان صادق الوعد ومن المرسلين ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا(54)وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا(55) ( مريم)، وأن الله رضي عنه وأرضاه.
    أما سيدنا اسحق فقد رزقه الله بابنه ( سيدنا يعقوب ( ع)). كان سيدنا إبراهيم ( ع) لا يزال على قيد الحياة، وكان من عباد الله الصالحين ونبيا من الصادقين وأنعم عليه ربه نعمة كبرى ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) ( يوسف)، ويثني عليه القرآن الكريم بأنه كان من الذين يبغون الآخرة على الحياة الدنيا وأنه كان على خلق عظيم .
    وترد في آيات عديدة أوصاف وخصال اسحق ويعقوب ( ع) وما كانا يتمتعان به من أصالة وشيم عالية:
    ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ(46)وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ(47) (ص)
    ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72)وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73) ( الأنبياء)
    ( وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ(112) ( الصافات)
    إن الله تعالى أثنى على سيدنا إبراهيم ( ع) وورد ذلك في القرآن الكريم ذاكرا صفاته الحميدة من الإيمان العميق وتوجهه إلى الله وتوكله الكامل عليه. ولعله يعتبر خير قدوة للمؤمنين في صبره وحلمه وما أظهره من ثبات وإيمان وثقة بالله عندما تحل المصاعب والملمات.وفي دعائه لأولاده يظهر مدى الاهتمام المخلص:
    ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37) ( إبراهيم)
    وسوف نورد جملة من الآيات عن عناية الله ولطفه ورعايته لآل إبراهيم:
    ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6) ( يوسف)
    ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(27) ( العنكبوت)
    ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ(47)وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنْ الأَخْيَارِ(48)هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ(49)جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ(50)مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ(51)وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ(52)هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ(53)إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ(54) ( ص)
    ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا(49)وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا(50) ( مريم)
    ويذكر الله تعالى في آيات الذكر الحكيم، المقام الرفيع لسيدنا إبراهيم ( ع) وذريته من بعده، الذين وهبهم الكتاب والحكمة والنبوة والحكم:
    ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا(54) ( النساء)
    ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ(108)سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ(109)كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(110)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(111) ( الصافات)
    لقد كرم الله سيدنا إبراهيم ( ع) بذرية صالحة وخلف مبارك وورث أبناء من أنقى وأفضل الناس. وقد قاموا من بعده بالسير على هداه وسلكوا سبيله في الدعوة إلى نشر الإيمان والهدى بين أقوامهم، رغم ما أبدوه من الشدة والقسوة تجاه الأنبياء، حيث كانوا أقواما شديدي الكفر والطغيان والجبروت.
    ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(84) ( الأنعام)
    وهكذا استمر أولاد سيدنا إبراهيم ( ع) معه في حمل أعباء الرسالة الإلهية وتبليغها إلى الناس ودعوتهم إلى الإيمان بالله رب العالمين. وكان بناء بيت الله على الأرض ورفع بنيان الكعبة المشرفة على يد سيدنا إسماعيل ( ع) ومشاركته أباه.
    * قيام سيدنا إبراهيم بإعادة بناء الكعبة

    ذكر لنا القرآن قيام نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل ( ع) برفع قواعد الكعبة المشرفة، وهي أول بيت وضع للناس لعبادة الواحد الأحد. وتقع في مدينة المكة المكرمة في أرض العرب. وهي أول بيت وضع للناس ..." وفيها " مقام إبراهيم..." كما جاء الخبر في الآيات القرآنية:
    ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ(96)فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ(97) ( آل عمران)
    وقد حقق ونفذ سيدنا إبراهيم ( ع) الواجب الإلهي الذي كلف به وهو إعادة بناء الكعبة مع سيدنا إسماعيل ( ع)، ويذكر القرآن عن هذا الموضوع وما أوحى الله إلى نبيه:
    ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ(26)وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27)لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(28) ( الحج)
    لقد أمرهما الله بتطهير الكعبة. وهذا يتحمل معنى فعليا وماديا كما يعني تطهيرا معنويا أيضا، ولعله يعني الاثنين معا، أي إبعاد الأدران والأوساخ عن بيته ومنع دخول رموز الكفر والشرك إليه وما يأتي بها المشركون من آثام. وجاء خبر بناء الكعبة في الآية :
    ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) ( البقرة)
    وحينما كان إبراهيم وإسماعيل ( ع) يقومان بالبناء ووضع اللبنات، لم ينقطعا عن الدعاء والتضرع إلى الله ومناجاته وذكر أسمائه الحسنى. وهكذا يعلمنا الرسل الكرام ضرورة ذكر اسم الله والدعاء منه في كل ما نقوم به من إجراءات أو ننوي عمله، وتقديم الحمد والشكر له أولا وأخيرا. والله يعلم ما تخطر في الأنفس وما هو أخفى من السر، وهو يسمع ويرى مخلوقاته في كل آن وحين. والمؤمنون يعلمون أن الله يقبل الدعاء ويستجيب له إذا ما كان خالصا لوجهه، وإن الدعاء عبادة وتقرب في حد ذاته. وبعض الناس يعتقدون أن للدعاء أوقاتا معينة وفي أماكن ومواقع محددة فقط، وضمن صيغ وعبارات مسبوكة لفظا وبشكل خاص. بينما تظهر لنا الآيات، أن دعاء الأنبياء ( وكذلك المؤمنين) يمكن أن يكون في أي وقت وبأي شكل، قائما كان أم قاعدا أو على جنوبهم، وفي كل أمر ينوي المؤمن القيام به، ولا توجد أية تقييدات أو تحديدات أو قواعد ملزمة لكيفية إجراء الدعاء والتضرع، حيث يستطيع الإنسان أن يتوجه إلى ربه في أية ساعة، ويذكره بقلبه ويناجيه بأسمائه الحسنى.
    وقد قام سيدنا إبراهيم ( ع) مع ابنه إسماعيل بتمجيد ربهما والدعاء منه عندما باشرا بإنشاء قواعد البيت، وحمدا الله وأثنيا على نعمه، وكبراه تكبيرا وتعظيما، ذاكرين عظيم قدرته وسعة علمه وحكمه الذي يسع كل شيء، وهو يسمع ويرى ويقدّر الأمور في الكائنات. يقول تعالى في آية:
    ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180) ( الأعراف)
    إن الدعاء إلى الله والتضرع إليه ومناجاته وذكر أسمائه الحسنى وأوصافه العظمى والاعتراف بقدرته على المخلوقات جميعها، ومعرفته بما يجري أينما كان، هي من علامات الإيمان العميق والتقوى لدى العباد. وما وردت في القرآن من أشكال وألفاظ للأدعية التي جاءت على لسان الأنبياء، إنما تشكل نماذج صالحة لاستعانة المؤمنين بها وذكرها من قبلهم أيضا.


    • " التعليق جانب صورة الكعبة"
    ( مقام إبراهيم ( ع)، حيث كان يتخذه موقعا لرفع قواعد البيت – الكعبة المشرفة- عند بنائها.).
    * التعليق : ( جامع سيدنا عمر ( رض) في القدس. وفيه صخور من آثار باقية من زمن سيدنا إبراهيم – كما يعتقد - ). **
    **: هناك خطأ فاضح في اللوحة الفنية التي يظهر فيها شخص مسلم يصلي مستقبلا الصخور وكأنه يتوجه إليها راكعا وساجدا. في حين أن المسلمين يتوجهون إلى بيت الله الكعبة أينما كانوا على وجه الأرض، ولا يسجدون لصخور أو أي شيء مخلوق- عدا الخالق"
    " المترجم"
    * امتحان سيدنا إبراهيم ( ع) في ذبح ولده*


    ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(107) ( الصافات)
    قصة الفداء والذبح إحدى الحوادث التي يذكرها القرآن، وتتعلق بالامتحان الذي تعرض له سيدنا إبراهيم ( ع) مع سيدنا إسماعيل ( ع):
    ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ(101)فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102)فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103)وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ(104)قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105)إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ(106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(107) ( الصافات)
    يتفق المفسرون أن الآية تؤكد تعرضهما إلى امتحان واختبار وأنهما اجتازا هذه المحنة بنجاح. يذكر المفسر التركي أحمد يازير آلماليلي أن الرؤيا التي تجلت لسيدنا إبراهيم ( ع) كان وحيا ربانيا وأنه سرعان ما استجاب لأمر ربه، ويفسر ما تعاقبت في الآيات على النحو الآتي:
    ( " ... وعلى أثر هذا الأمر الرباني، لم يحاول أن يقوم بالتنفيذ القسري وأنما بعد الاستشارة، ليتأكد من طاعته له واستجابته لأمر الله مبتغيا الأجر والثواب منه.
    ومما يدعو إلى التأمل في هذا، الخطاب الأبوي الشفوق بقوله " يا بني" وما كان يجول في نفسه وقلب الأب من مشاعر وأحاسيس وما كان يعنيه هذا التكليف والواجب من حبّ وتعلق بالله تعالى. وبالمقابل جاء الجواب من الابن الصالح الطيب والمسامح " يا أبت..." مدركا هذا الأمر الإلهي وواجب الصبر والتحمل في تنفيذه. " ... افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله مع الصابرين"(5)
    ويقول المفسر الآخر " عمر نصوحي بيلمن" عن هذا الامتحان الذي تعرض له سيدنا إبراهيم ( ع) مع ولده: ( استجاب نبينا إبراهيم ( ع) وولده إسماعيل ( ع) لأمر الله وسلما أمريهما إليه، وحينئذ قام سيدنا إبراهيم ( ع) باتخاذ الخطوة الأخيرة " أسلم وتله للجبين" معتبرا ما جاءه في الرؤيا وحيا من ربه، واجب التنفيذ. ولكن ربه أدركه برحمته وأخبره أنه قد صدق الرؤيا، ومثنيا على ما أبداه من الصبر والطاعة. وهكذا استدركته رحمة الرحمن واستبدل فداء ولده بغنيمة يقوم بذبحها، وأنقذته من هذه التضحية العظمى" (6)
    التعليق على الصورة :
    ( حسبما ورد في العهد القديم – المحرف- فإن سيدنا إبراهيم وزوجته سارة مدفونان في أحد كهوف مدينة الخليل في فلسطين التي هي تحت الاحتلال الإسرائيلي الآن).
    وكما يفهم من تفسير الآيات المذكورة " فإن سيدنا إبراهيم ( ع) وولده سيدنا إسماعيل ( ع) قد تعرضا إلى امتحان واختبار رهيب واجتازاه مبدين كل الطاعة والانصياع القلبي، والصبر الجميل لأمر الله تعالى. هذه الخصال الحميدة تعتبر قدوة وخير مثال لكافة المؤمنين للاسترشاد به في حياتهم لما تتضمنه من صبر وثبات وإصرار على المضي في الالتزام بأوامر الله تعالى دون تردد أو تخاذل أمام المصاعب والعقبات التي يتعرضون لها نتيجة التزامهم طريق ربهم.
    وتستمر الآيات في ذكر هذا الامتحان، كما في سورة الصافات:
    ( وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ(108)سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ(109)كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(110)إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ(111) ( الصافات)
    3- Phillip Johnson, The Wedge of Truth: Splitting the Foundations of Naturalism, InterVarsity Press, Downers Grove, (Illinois: 2000), 154.
    4-Elmalili Muhammed Hamdi Yazir, Tafsir of Holy Qur’an,
    5- Omer Nasuhi Bilmen, Kuran-i Kerim'in Turkce Meali Alisi ve Tefsiri (Tafsir of Holy Qur’an), vol. 9, 2994
    التعديل الأخير تم بواسطة خضروات ; 23-08-08 الساعة 11:59

  • #6
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    * الأخلاق الجميلة لسيدنا إبراهيم ( ع)*

    يرد في القرآن الكريم ذكر الكثير من الأخلاق العالية والخصال الحميدة لأنبياء الله ورسله الكرام، ومما يمتازون به من صبر جميل وثبات وإيمان صادق وإخلاص وتفان. وعن سيدنا رسول الله ( ص) تتحدث الآيات عما كان عليه من إيمان عميق وخلق رفيع وتسليم تام وخشية وتقوى، وعن قوته وبأسه أمام الكفر، وكذلك تذكر عن صبر سيدنا نوح ( ع) وسيدنا أيوب ( ع)، وعن سيدنا سليمان ( ع) وشكره الدائم لربه وسعيه لرفع شأنه وشجاعته، وعن إخلاص سيدنا موسى ( ع) والسيد المسيح وقوة حجته ورفعة شأنه وعلو مكانته، وعن سيدنا داود ( ع) وتعلقه بربه وتوجهه إليه بكل جوارحه، والكثير من شيم وخصال الأنبياء الكرام وكونهم مرشدين وأعلاما للخير وأمثلة رائعة لجميع الناس للإقتداء والاهتداء.
    هؤلاء الأنبياء الأطهار والرسل الأخيار هم مشاعل ورايات عالية لجميع البشرية على وجه هذه الأرض، للاهتداء والإقتداء بخصالهم والمضي في سبيلهم وتنظيم حياتهم وطرز معيشتهم طبقا لما جاءوا بها من أحكام وإرشادات. وما ذكرناه في هذا الجزء من الكتاب من خصال سيدنا إبراهيم ( ع) إنما هي دعوة للناس أجمعين للأخذ منها والتحلي بها والإقتداء على أثرها.
    " سيدنا إبراهيم خليل الله "

    ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا(125) (النساء)
    هكذا يرد ذكره في القرآن الكريم، وبأنه " خليل الله" وهي صفة محببة، عرف بها. ويقول سيدنا رسول الله ( ص) ( ... اللهم إن إبراهيم خليلك ونبيك ...)7 ويرد ذكره أيضا في الكتاب المقدس الذي دخله التحريف، " وآمن إبراهيم بربه وهكذا أصبح من الأصفياء..." " وتحقق ما جاء في الكتاب المقدس وأصبح إبراهيم خليلا لله...8
    إن الذي يخشى ربه ويتعلق قلبه بمحبته، تصبح غايته في الحياة السعي لنيل رضاه ومغفرته والفوز بجناته، ويسيطر على قلبه وروحه مهابة الله، يشكره ويحمده عندما يشاهد الجمال والكمال في مخلوقاته ويذكره بأسمائه الحسنى. كما ويؤمن أن كل ما يصيبه من نعمة وخير فمن الله تعالى، ويلهج لسانه بشكره. وإذا ما أصابه مكروه تراه صابرا ومتحملا ما قدره الله ويعلم أن كلّ ما جاء من عند الله فيه الخير وامتحان واختبار له. فيؤمن بقدره راضي النفس ويسعى للمزيد من عمل الخير والصالحات من الأعمال.
    وكما يقول بديع الزمان سعيد النورسي " الحمد لله على كل حال ..." والمؤمن يتخذ هذه المقولة شعارا له فيحمده ويشكره في كل حال يكون عليه.
    إن الله تعالى يشوق المؤمنين إلى بلوغ هذه المرتبة والمقام الرفيع. ويدعو في آياته إلى اتخاذ كافة الوسائل التي تقربهم من ربهم:
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(35) المائدة)
    وفي آية يقول تعالى " فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ(50) (الذاريات) ، ويقول تعالى ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(78)
    وفي سورة المزمل يدعو الله الناس إلى التوجه إليه وترك ما سواه:
    ( وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا(8)رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا(9) (المزمل)
    كان سيدنا إبراهيم ( ع) صاحب بصيرة ثاقبة
    وإدراك في اختيار الصحيح *

    يذكر الله تعالى في القرآن ما كان يتمتع به سيدنا إبراهيم ( ع)، من بصيرة قوية في إدراك الحقائق وتثبيت ما هو خير وصحيح ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ(45). وكان دقيقا ومصيبا في اتخاذ قراراته شأنه شأن بقية الأنبياء الكرام، وكان يتمتع بنظرة بعيدة إلى الأمور، وحدس صحيح لما قد يحصل.
    وتذكر آية أن الله تعالى منحه الرشد والحكمة البالغة في قوله:
    ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51) (الأنبياء)
    وتأتي معنى كلمة الرشد هنا للدلالة على الصواب في القرار والمضي بخطوات واثقة ومطمئنة والتوجه نحو كل ما هو صحيح باستقامة كاملة. وقد ساعدته هذه الأفضال والنعم التي وهبها الله له في صراعه مع الكفر والشرك. وظهرت خصاله العالية في دقته وبعد نظره للأمور وقراراته التي كانت تصيب الهدف دائما، وفراسته وفطنته ومقدرته في التفريق بين الخطأ والصواب، والصالح والطالح، إلى جانب ما كان يتمتع من خشية عميقة من ربه واستسلام لأوامره وتنفيذه لها دون تردد أو وجل. وتذكر الآيات ما يجازى به المؤمنون الخاشعون المتقون:
    ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29) (الأنفال)
    ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11) (التحريم)
    وبفضل هذه الخصال الحميدة التي وهبها الله لسيدنا إبراهيم ( ع)استطاع الدخول مع المشركين في المواجهة والقيام بتبليغ رسالته ونشر دعوته. إن " الصدق" واختيار " كل ما هو صحيح" من الصفات التي دعا رسولنا الكريم ( ص) المؤمنين للتمسك بها، وكما ورد ذلك في أحاديثه:
    " قل آمنت بالله ثم استقم 9".
    " من أحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث 10". " من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين ويلهمه رشده 11".
    " إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا 12".
    * كان سيدنا إبراهيم ( ع) عبدا مخلصا، يذكر الدار الآخرة دائما *


    يعرف القرآن الكريم سيدنا إبراهيم ( ع) والذين جاءوا من صلبه من بعده بأنهم كانوا يسعون للآخرة ويعملون لها بإخلاص وتفان:-
    ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ(45)إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ(46) (ص)
    أن ما يميز الأنبياء عن سائر البشر حرصهم على السعي لكسب رضا الله ومغفرته ونيل نعيم جناته في الآخرة دون أن ينتظروا أجرا أو نفعا من أحد.وقد قاموا بدعوة أقوامهم إلى طريق الرشاد والحق والهدى طوال أعمارهم في حياتهم الدنيا دون كلل أو ملل.
    أن المؤمن يجب أن يبتغي وجه الله تعالى في جميع ما يقوم بها من أعمال وأن يخلص في سعيه إلى ربه وابتغاء وجهه ويهدف إلى كسب رضاه ومحبته. وسيدنا رسول الله ( ص) وحياته وسيرته الشريفة خير مثال لنا. فقد جعل الله وحده ورضاه عنه منتهى ما يبغيه ويسعى إليه. وتذكر العديد من أن الأنبياء بعثوا لإرشاد الناس ودعوتهم إلى سلوك طريق الهدى والابتعاد عن المنكرات دون أن يبتغوا منهم أجرا أو يتوقعوا كسبا أو منفعة:-

    ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) (ص)
    ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(47) (سبأ)

    وفي حديث رسول الله ( ص) " أن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغى به وجهه" 13.، دعوة عامة لكل الناس أن يخلصوا في جميع أعمالهم. وكذلك كانت دعوة الأنبياء والرسل الكرام، أن يكون القصد والهدف في الحياة الدنيا التهيؤ للدار الآخرة والعمل بإخلاص لتأمين كسب نعم الله تعالى، وعدم الانبهار والانخداع بمباهج الدنيا.
    ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(48) (الأنعام)
    إحدى أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمن، التفكير بكل جدية في الحياة الآخرة وتذكرها دائما. وأن يكون كل ما يعمله أو يقوله خالصا لله وحده. وعلى المؤمن أن يعتبر الحياة الآخرة هي دار القرار، ويتشوق إليها ولا ينخدع بهذه الحياة الدنيا ولا يرتبط بها. والمؤمنون – ولا ريب- لهم الحق في التمتع بالنعم التي أنعمها الله عليهم وأحلها لهم، وأن يشكروه على هذه المنح الكريمة والتي سيجدونها أيضا في حياتهم في الدار الآخرة، بل وأفضل منها بكثير، وأبقى. غير أنه لا يحب أن يكون هذا هدف المؤمن أبدا، وإنما يعتبرها أفضالا من الله يستوجب الشكر عليها، وهي وسائل لا غير لبلوغ الهدف الأسمى ألا وهو الخلود في نعيم الآخرة.
    إن تذكر الجنة وما فيها من نعم والتشوق إلى الخلود فيها، ثم الخشية من عذاب الجحيم والخوف الدائم من الخلود في النار من الوسائل التي تدفع بالمؤمن إلى التقرب من ربه، والتحلي بالأخلاق القرآنية السامية والتشوق للعيش في ظلال الإيمان والهداية. وإذا لم يدم المؤمن صلته بالله فإن الشيطان يدخل إليه مستغلا صفة النسيان والغفلة ويدفعه إلى العيش بعيدا عن تذكر الآخرة. ولكن على المؤمن أن لا يقع في حبائل الشيطان ولا ينسى ذكر الآخرة دائما ويتواصل في التفكير والتذكر.
    ويذكر القرآن عن سيدنا إبراهيم ( ع) تواصله مع ربه وذكره الآخرة مع سعيه الدائم والمخلص في تبليغ رسالته ودعوة الله، طوال عمره المديد.

    ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130) (البقرة)


    * كان سيدنا إبراهيم عبدا مختارا ومن الأخيار*

    ( وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنْ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ(47) (ص) إن الله اصطفى سيدنا إبراهيم ( ع) واختاره وهداه وأنعم عليه بالنبوة وشرفه بحمل الرسالة. وتذكر آية قرآنية أن الله فضله ومن من ذريته على سائر العالمين: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ( آل عمران)

    وقد اختار الله سيدنا إبراهيم ( ع) ومن بعده أولاده للقيام بدعوة الناس إلى الإيمان وتبليغ رسالة الله وأوامره ونواهيه إليهم، وذكر قدرة الله وحكمه على المخلوقات. وفي الآية: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(26) (الحديد) ذكر لتشريفه وأولاده من بعده بالنبوة وحمل الرسالة.
    من علامات المؤمن حب الخير والعمل به. في حين لا يأتي من الكافر إلا الشر والأذى. وهذا أمر بديهي لأن الكافر يضع منفعته ومصلحته الشخصية فوق أي اعتبار آخر وهذا يدفعه إلى إلحاق الضرر والأذى بالآخرين والعمل لأجل نفسه فقط. أما المؤمن فإنه يجلب الخير والبركة لنفسه ولمن حوله ولعموم الناس، ولا يصدر منه إلا النفع المادي والمعنوي. ذلك لأن خشيته من الله تعالى وإيمانه به يجعله يلتزم جانب الحق المطلق حتى وإن كان على نفسه، فلا يظلم أحدا، ويؤمن بالعدالة والخير للناس، ويقف أمام الظالم ويدفع ظلمه عن الناس.
    ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) (البقرة)
    يقول سيدنا رسول الله ( ص) " وخيار أمتي أحسانهم أخلاقا 14 " وبذلك يضع المؤمن حسن الأخلاق في مقدمة الناس باعتبارهم مصدر خير وبركة لمجتمعاتهم.
    إن الله تعالى يفرق بين المؤمن الذي لا يأتي منه سوى الخير له ولقومه وبين من لا يحملون هذه الخصال الكريمة في قوله تعالى:
    ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(76) (النحل)
    ( رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لألا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(165) (النساء)

    ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) (سبأ)
    * كان سيدنا إبراهيم ذا قلب سليم *

    إن الله تعالى اتخذ من إبراهيم ( ع) خليلا، واصطفاه من بين قومه المشركين، ووهبه الإيمان وجعله رائدا لأهل الإيمان.
    إن الله يريد من المؤمنين أن يقتدوا بالأنبياء الكرام ويتخذوهم أسوة حسنة لهم في أخلاقهم وخصالهم الكريمة، وأن يطرحوا من قلوبهم كل إمارات الجاهلية والأخلاق التي تتلائم مع سعيهم إلى التقرب من ربهم. كما وعليهم التخلي عن الأفكار والآراء المنحرفة عن جادة الصواب والحق، وتصفية قلوبهم وضمائرهم من الأدران والشوائب.
    إن صفاء القلب ونقاء السريرة عند المؤمن معناه ترك جميع ما يعتمده الشيطان من وساوس وريب وأفكار مسمومة يحاول زرعها في نفس المؤمن. وفي هذا يقول تعالى: ( مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ(179) آل عمران)، والطيب هنا يشمل طهر النواحي المعنوية والروحية حصرا.
    قد يدعي من لا يؤمن بالله وليس على هداية من الدين أنه يملك قلبا نقيا ونظيفا. ولكنه إنما يبغي من هذا إراحة ضميره فقط. لأن الإيمان شرط أساسي للحصول على قلب " سليم" على نحو ما كان عليه سيدنا إبراهيم ( ع) وكما يتطلب منه إطاعة الله وتنفيذ أوامره والامتناع عن نواهيه وتسليم أموره لربه، ويتوكل عليه وحده. يذكر القرآن في هذا المجال ويعدد مظاهر الإيمان والأخلاق النبيلة في قوله تعالى:
    ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ(177) (البقرة)
    ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148) (البقرة)
    إن الله تعالى يحب من عباده أن يسعوا إلى تطهير أنفسهم وتنقية سرائرهم ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108) (التوبة). وقد يكون الإنسان واقعا تحت تأثير وسيطرة الشيطان ولزمن طويل، وتشبعت نفسه بالوساوس الخبيثة وامتلأ قلبه بالأفكار المنحرفة، وابتعد عن التمسك بأهداب الدين والأخلاق القرآنية. ولكن يبقى الأمر الأهم هو التوجه إلى ربه ويطلب التوبة ويستغفره على ما كان عليه من ضلال، ويصفي قلبه من الخبائث، ويتخذ من الأنبياء قدوة للتقرب إلى الله.
    وقد بشر الله في سورة المائدة ووعد المؤمنين الأجر والثواب:
    ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) (المائدة)
    * كان إبراهيم ( ع) أمة لوحده *
    كان سيدنا إبراهيم ( ع) نبيا من الأنبياء المختارين من الله، يلتزم بأوامر ربه ولا يعمل شيئا إلاّ ويبتغي من ورائه مرضاته وزيادة تقربه منه وتعلقه به وانتمائه إليه وحده. يخشى ربه، ويعتمد ويتوكل عليه، مسلما أموره جميعها إليه. واجه جموع قومه وحده. دعاهم إلى وحدانية ربه وعبادته، مبديا من القوة والشجاعة النابعة من إيمانه العميق واطمئنانه وثقته بربه ما جعله يستمر في تبليغ دعوته بقرار ثابت لا يتزعزع.
    هكذا يجب أن يكون شأن المؤمنين. الثبات على الإيمان والشجاعة والاندفاع في تبليغ رسالة الله ودينه إلى الناس أجمعين، وبعد أن يتوكل على ربه ينتظر العون والنصر منه، تماما مثلما فعل سيدنا إبراهيم ( ع) في تبليغ دعوته. وفي مقدمة الوسائل والإجراءات، يأتي التسليم بصورة مطلقة لله الواحد الأحد، والخشية منه وحده، واتخاذه من قبل المؤمن وليا له ونصيرا. والمؤمن ذو الإيمان الثابت والعقيدة الصحيحة، يستطيع ولوحده من بين جموع من غير المؤمنين أن يلتزم بأوامر دينه ويظهر إيمانه على أجمل وجه وينشر من أخلاقه الحميدة ويدعو إلى عقيدته ويبلغ الناس أفكاره وآراءه ويتصرف بموجب ما تملي عليه الأخلاق القرآنية، ويتحرك وهو على ثقة أن الله معه دائما يعينه في مسعاه ويلهمه الرشاد وينصره. هذا المؤمن المتوكل على الله والملتزم بمحاسن الأخلاق الذي يؤمن بصدق ويقين، فإنه ولاشك يستطيع أن يطمح ليكون " أمة لوحده" على ما كان عليه سيدنا إبراهيم ( ع).
    ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130) (البقرة)
    * كان سيدنا إبراهيم ( ع) عبدا شكورا*

    لقد أنعم الله على عباده بالكثير من النعم، وجب عليهم شكره على مظاهر بدائع صنعه وروائع خلقه بدء من أبسط المخلوقات الحية وانتهاء بكمال خلق الإنسان، وما تعنيه هذه المعجزات في الجمال والكمال:-
    ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151)فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِي(152)يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) (البقرة)
    إن نبي الله إبراهيم ( ع)، هذا العبد الصالح، خير قدوة لعموم المسلمين لما كان يبديه من الشكر الدائم لأنعم الله عليه. يقول تعالى عنه ( شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(121) (النحل).
    إن ما ورد من قصص عن الأنبياء الكرام تظهر مدى حرصهم على دوام الشكر لله وبيان الحمد له، وتسبيحه وتمجيده وذكره على هذه النعم والأفضال العظيمة.
    كان سيدنا رسول الله ( ص) يردد عند تضرعه أحد أدعيته " الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا 15 ، مما يدل على المكانة الرفيعة للحمد والشكر لله. ونجد في آيات القرآن ما يدفع المؤمن إلى بيان الشكر وباستمرار، وعلى كل حال هو عليه، وحتى إن أصابته مصيبة أو حلت به نائبة أو واجهته مصاعب أو أصابه مرض أو تعرض لظلم وقهر.
    ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) (البقرة)
    إن الإنسان المؤمن يعلم أن حكمة الله تعالى تتجلى في مثل هذه الحوادث والوقائع التي يتعرض لها أحيانا. وأنه معرض للامتحان والاختبار ليظهر مدى صبره وقوة إيمانه على مواجهة الملمات في حياته. ويعده ربه لقاء ما يبديه من حسن التصرف والخلق العالي، أحسن الجزاء وأجمل الجوائز، وكما جاء الخبر في آيات القرآن الكريم:-
    ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ(155) (البقرة) ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35) الأنبياء (35)
    ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(17) (العنكبوت)

    * كان سيدنا إبراهيم ( ع) عبدا مسلمّا أموره لله*

    ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) (البقرة)
    إن كلمة " الإسلام" كما هو معروف مشتقة من مصدر التسليم والسلام. وبذلك فإن " المسلم" هو الذي يسلم أموره لله. وهذا ما أظهره سيدنا إبراهيم ( ع) في تعامله مع قومه، حينما سلم جميع شؤونه إلى ربه بصورة كاملة. ومهما أظهر قومه معه من البأس والشدة محاولين ثنيه عن دعوته وارغامه على ترك دينه، غير أنه استمر ثابتا ومتمسكا بقوة وعزم لا يلين بحبل الله المتين، مؤديا واجبه وقائما بأداء مهمته حتى وإن أدى به الأمر إلى ترك قومه والهجرة من موطنه والتخلي عما يملكه.
    إن الله خالق جميع ما في الوجود بقدر معلوم وبمعيار وميزان دقيق وهو مقدر كل حادث، وبعلمه الأزلي يعلم ما سوف يحدث لنا. إن هذه الحقائق أدركها الأنبياء والمرسلون الذين شرفهّم الله بمقام رفيع وكلفهم بواجب الدعوة لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وعلى المؤمنين بربهم أن يسلموا شؤون حياتهم إلى قضاء الله وقدره برضا نفس وطيب قلب. هذا القدر الإلهي الذي أكده القرآن في آيات كثيرة وجعل التصديق به من أركان الإيمان بالخالق.

    * كان سيدنا إبراهيم ( ع) لينا حليما*
    من صفات المؤمن التي ذكرها القرآن، صفاء القلب والسريرة، والحلم والصبر واللين في التعامل وإظهار الشفقة والمحبة والتسامح. وترد في الآيات هذه الصفات التي اختص بها سيدنا إبراهيم ( ع):-
    ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(114) (التوبة)
    ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ(75) (هود)
    إن المؤمنين الذين يعتصمون بالله ويلتزمون بالسير في طريقه بشوق ومحبة ويسعون للالتزام بالأخلاق الحميدة والخصال الجميلة، سيدخلون في زمرة عباد الله المخلصين. وتعتبر الشفقة والرحمة والتسامح واللين واللطف في التعامل من جملة الأخلاق الكريمة التي أرادها الرسول ( ص) للمؤمنين، وكما وردت في جملة من الأحاديث النبوية، نورد بعضها:
    " إن الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ولا ينزع من شيء إلاّ شانه 16"
    " أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وأمسح على رأسه وأطعمه من طعامك يلين قلبك وتدرك حاجتك 17 "
    " ترحموا واغفروا يغفر لكم... 18" " إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه 19"
    ويخبرنا القرآن أن هذه الصفات العالية كان يمتاز بها الأنبياء جميعا. ويقول عن نبي الله شعيب ( ع) الذي أرسله الله إلى قوم مدين ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(87) ( هود).

    ( ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ(17)أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(18) (البلد)
    ( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) (الأعراف)

    * كان سيدنا إبراهيم ( ع) إنسانا رائدا اهتدى إلى ربه*

    إن صفة ( الهادي) تتجلى بأروع صورها في حياة إبراهيم ( ع) مثلما في حياة بقية الأنبياء. فقد كان دليلا وقائدا يحمل راية الهدى والإيمان بين قومه، والتي شرفه الله بحملها. وقام بدعوتهم إلى نور الإيمان بالله الواحد الأحد. وهذا كان أيضا شأن من تبعوه من صلبه من المرسلين:
    ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72)وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73) (الأنبياء)
    ويذكر الله في القرآن أن المؤمنين شأنهم شأن المرسلين هم قادة وأئمة الهدى بين أقوامهم ومجتمعاتهم:-
    ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74) (الفرقان)

    التعليق على الصورة الجانبية
    " تذكر المصادر التاريخية أن مدينة " أورفه" كانت موطنا للعديد من الأنبياء منهم آدم ( ع) وإبراهيم ( ع) وشعيب ( ع) وإليسع ( ع). وفي روايات أخرى أن سيدنا إبراهيم ( ع) قضى في مدينة " حران" ردحا طويلا من حياته. ويأتي ذكر ذلك في الإنجيل: " ثم قال : اسمعوا أيها الأخوة والآباء، أن أبانا إبراهيم وقبل إقامته في ( حران) وحينما كان في بلاد ما بين النهرين ظهرت وبانت له عزة الله ... وقال له: اخرج من بلدك ومن أهلك وأقاربك واذهب إلى مكان أقوله لك. وخرج من بلاد الكلدانيين وأتى إلى ( حران)...(20).
    الصورة الجانبية:-
    ( المكان المعروف بإقامة سيدنا إبراهيم ( ع) فيه. وتظهر بحيرة الأسماك الشهيرة... ).
    ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38) (يوسف)
    لقد دعا سيدنا رسول الله ( ص) الناس كآفة إلى أشرف دين وأوضح سبيل وأنبل طريق، الذي فيه الخلاص والراحة والطمأنينة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وتذكر سورة الأنعام كيفية تبليغه قومه:
    ( " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(71) (الأنعام)
    وفي حديث نبوي عن رسول الله ( ص) ( إن أحسن الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم 21)
    * الأدعية التي كان يدعو بها سيدنا إبراهيم ( ع)
    ترد في القرآن الكريم العديد من الأدعية التي كان الأنبياء يتضرعون بها إلى الله. وهي أمثلة جميلة للمسلمين لترديدها إذا ما أرادوا التقرب إلى ربهم. أن الدعاء بهذه الأدعية المأثورة عن الأنبياء وفهم ما تعنيه، والالتزام بما التزم بها هؤلاء الرسل الكرام وبإخلاص وشوق وحرص، يقرب المؤمن من ربه ومن الوسائل الجميلة التي تزيد من روابطه مع الله. والمكانة السامية من الدعاء تتجلى في قول سيدنا إبراهيم ( ع) ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ(39) (إبراهيم). وقد نبه قومه أيضا إلى أهمية الدعاء ومكانته الرفيعة في قوله تعالى:
    ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا(48) (مريم).
    لقد توسل سيدنا إبراهيم ( ع) إلى ربه ليمنحه الحكم والحكمة:-
    ( رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83) (الشعراء)
    وكما دعا ربه أن يلهمه لسان صدق:
    ( وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ(84) (الشعراء)
    وحول الآخرة دعا بقوله:
    ( وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ(85)وَاغْفِرْ لأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ(86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87)يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ(88)إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89) (الشعراء)
    وطلب العفو والمغفرة على النحو التالي:
    ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(5) (الممتحنة)
    ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ(41) (إبراهيم)
    كما ودعا ربه طالبا منه ذرية صالحة يقوم بحمل الرسالة من بعده
    ( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ(100) (الصافات)
    وتوسل متضرعا حول من سيخلفه من ذريته وأسباطه:
    ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) (البقرة)
    وكان يدعو ربه عند القيام بأي عمل ينوي عليه ليتقبله منه:
    ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127) (البقرة)
    وفي دعاء له، يطلب الرحمة والمغفرة له ولأهله وذريته، وأن يلهمهم الرشاد ويعلمهم عباداتهم ومناسكهم وأن يتوب عليهم:
    ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) (البقرة)
    ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129) (البقرة)
    كان سيدنا إبراهيم مؤمنا بربه وباليوم الآخر، بقلب صاف ونفس راضية وعلم عميق. ولهذا جاءت أدعيته متضمنة هذه المشاعر الطاغية من الإخلاص وصفاء النفس والتجرد التام لله تعالى. وفي ذلك قدوة حسنة للمؤمنين للاستلهام من شيمه وخصاله والتوجه إلى الله بقلوب زكيه طاهرة، وإيمان مفعم بوحدانيته، وأن الله خير رفيق ومعين.

    وصية سيدنا إبراهيم ( ع)
    يعرفنا ربنا في آيات قرانه الحكيم سيدنا إبراهيم ( ع) بأنه إمام الموحدين الداعين إلى وحدانية الله تعالى:-
    ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِي(27)وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(28) (الزخرف)
    إن عقيدة التوحيد ميراث سيدنا إبراهيم ( ع) إلى المؤمنين جميعا وفي كل الأوقات والأماكن. ويظهر لنا هذا الميراث الإيماني أنه كان موحدا لربه يرجو رضاه ويسعى لكسب رحمته ومحبته متخذا من ربه الرفيق والوكيل، لا يخشى غيره ولا يخاف إلا منه. قضى حياته في دعوة الناس إلى وحدانية الله وبلغهم رسالة السماء في ترك الإشراك بالله وأن تكون الأعمال خالصة لوجهه. وترد وصية سيدنا إبراهيم ( ع) في سورة البقرة:
    ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132) (البقرة)
    ( بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) (البقرة)
    ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي(17) (الزمر)
    واستمرت ريادة وإمامة سيدنا إبراهيم ( ع) في ذريته وصلبه من بعده فقام أنبياء الله ساداتنا إسماعيل واسحق وولده يعقوب ثم يوسف ( عليهم السلام) بحمل رسالة الدعوة وتبليغ أوامر الله ونواهيه والتخلق بالأخلاق الرفيعة والتمسك بالحكمة والموعظة الحسنة كأسلوب. ويذكر القرآن ما ورد في وصية سيدنا يعقوب ( ع):
    ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133) (البقرة)
    ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ(18) (الزمر)
    لقد سار جميع الأنبياء الذين أتوا من بعده على نفس المنوال داعين ذرياتهم وخلفهم من بعدهم إلى الإيمان الصادق بالله والإخلاص له في أعمالهم، وأن يعيشوا ويموتوا وهم مسلمون ومتوكلون على ربهم باطمئنان وأنفس نقية. إن من يؤمن بوصايا ودعوات سيدنا إبراهيم ( ع) ويظهر العبودية لله وحده دون شريك، ويسخر حياته لكسب مغفرته ورضاه عنه، فإنه يستحق أن يتأمل في نيل عفوه ومجازاته بنعيم جناته في الدار الآخرة.

    6 – ?mer Nasuhi Bilmen . Kurani Kerim’in Türkçe meali Alisi ve Tefsiri . cilt 9 . s 2994
    7- الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان6883.
    8- الكتاب المقدس، يعقوب2: 20-23.
    9- الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان،جلد 2، 236.
    10- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 2 ، ص. ( 397).
    11- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 2 ، ص. ( 447).
    12-الإمام النووي، رياض الصالحين، جلد 1، ص. ( 166).
    13- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 2 ، ص. ( 91-13).
    14- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 2 ، ص. ( 305).
    15- الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان،أبو داوود جلد 9، ص. (203).
    16- الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان،جلد 7، ص. (292).
    17- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 6 ، ص. ( 9-11).
    18- رموز الحديث، المصنف أحمد ضياء الدين كوموش خانه لي، المترجم عبد العزيز بكيني، جلد 1 ، (10-70 ).
    19- الكتب الستة، أ.د.إبراهيم جانان،جلد 7، ص. (293).

  • #7
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    الكتاب الثاني : سيدنا لوط عليه السلام
    ( وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ(74)وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ(75) (الأنبياء)

    حياة سيدنا لوط ( ع )
    يخبرنا القرآن الكريم أن بعض الأنبياء عاشوا في نفس الفترة الزمنية. وعلى سبيل المثال، سيدنا هرون ( ع) الذي ساند وعاون أخاه سيدنا موسى ( ع) في دعوة فرعون وقومه إلى دين الله. كما وشرف الله سيدنا يعقوب ( ع) مع سيدنا يوسف ( ع) ابنه بمقام النبوة.
    أما سيدنا إبراهيم ( ع) والنبي لوط ( ع) فقد عاشا في نفس الفترة الزمنية وفي المنطقة الجغرافية نفسها أيضا. ورغم أنهما كانا بين أقوام مختلفة فإنهما استمرا في التعاون والتساند مع بعضهما في سبيل دعوة الحق:
    ( وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(25)فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(26) (العنكبوت)
    إن الهجرة إلى الله تعني التسليم لله وحده باعتباره الرفيق والمعين الأوحد، ثم إدراك عظمته وقدرته، واللجوء إليه بطلب المدد والعون. وهكذا هجر سيدنا لوط ( ع) قومه الذين كانوا يعملون الخبائث وانحرفوا عن الصواب وضلوا. وقد أبدى من حسن التصرف وجمال الخصال ما يجعله في مقام الأصفياء الذين باركهم الله من عباده. وكان قد أرسل إلى قومه، كما يخبرنا القرآن، الذين انحرفوا ومارسوا من الأفعال أخبثها إذ تفشى فيهم مرض الشذوذ وإتيان الذكور دون الإناث.

    " انحراف قوم لوط ( ع) "

    مجتمعهم باعتبارهم " قوم يتطهرون"، مستهزئين من نبي الله والذين آمنوا معه: -
    ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212) (البقرة)
    يقول الله تعالى في القرآن ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(30) (الروم)، ويعني أن الله تعالى خلق الإنسان على فطرة معلومة، وسن لهم سنن الطبيعة بوضوح. أما الشيطان فإنه يدعوهم إلى الشر ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ع وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا(119) (النساء)، ساعيا إلى إخراجهم عن الطريق السوي، ويزين لهم أعمالهم ويحبب إليهم السيئات منها وإيقاعهم في المحرمات. وعلى رأس هذه الخبائث والسقوط الخلقي، يأتي الشذوذ الجنسي.
    ويخبرنا القرآن عن هؤلاء القوم الذين اتبعوا الشيطان ووقعوا تحت إغوائه وأوقعهم في مسالك المنكرات وعمل السيئات: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ(146) (الأعراف). ثم هم يدعون ويشوقون الناس إلى اتباعهم في كفرهم وانحرافهم: ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا(27) (النساء). وأخيرا، سيكون الجزاء العادل نصيبهم على ما اقترفوه: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(59) (مريم). هذا السقوط الأخلاقي والتفسخ المشين يظهر وعلى مر التاريخ في أقوام أخرى. ومن هؤلاء كان قوم لوط ( ع). لقد كان النبي لوط ( ع) على جانب كبير من الخلق والاستقامة ومن عباد الله الصالحين الذين بارك فيهم ربهم. وقام بدعوة قومه إلى نبذ المنكرات والعيش بما يرضي الله تعالى والخشية منه والخوف من غضبه وعقابه. لكن قومه قابلوه بإظهار العداوة والبغضاء وقاوموه وحاربوه. وهكذا استحقوا غضب ربهم بما كسبت أيديهم من ظلم وبما كانوا يفعلون من الشرور والسيئات:
    ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ (80)إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(81)وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82)فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ(83)وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(84) (الأعراف).
    ورغم إنذارهم وتبليغهم أوامر الله بترك ما كانوا يفعلونه من المنكرات غير أنهم قابلوه بتهديدهم له والذين آمنوا معه بإخراجهم من بينهم وطردهم من

    ( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ(86) (الأنعام)
    كان سيدنا لوط ( ع) – وبهدي من الله وفضل منه- عبدا مؤمنا صابرا ومثابرا يتمتع بالجسارة والشجاعة، وصاحب قرار ثابت. وقد زاده ما رآه في قومه من عناد وكفر ورعونة واستهزاء، قوة وصلابة وثباتا. واستمر بدعوته إلى الإيمان بالله وعمل الصالحات من الأعمال والتمسك بالخير والفضيلة، باذلا سعيه لأداء واجب الدعوة والتبليغ الذي كلف به. يقول تعالى في القرآن : -
    ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا(46)وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا(47)وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا(48) (الأحزاب)
    ( ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ(44) (المؤمنون)
    وفي سيرة سيدنا لوط ( ع) القدوة والمثل الأعلى للمؤمنين في كل زمان للاهتداء به في سموّ خلقه ورفعة شيمه وثباته على الدعوة إلى الله، وصبره الجميل على المكاره، والتوسل بمختلف الأساليب في التبليغ والدعوة.

    * سيدنا لوط ( ع) يحذر قومه *
    ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ(160)إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(162)فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي(163) (الشعراء)
    طلب نبي الله لوط من قومه ترك ما يقومون به من سيئات الأعمال، واتباعه في دينه. وبين لهم أنه لا يبغي منهم أجرا أو منفعة ولا ينتظر منهم جزاء، وإنما غايته إرضاء ربه وأداء ما حمّله من أمانة الدعوة إلى الإيمان:
    ( ومَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(164) (الشعراء)
    وبعد ذلك، حذرهم من مغبة ما يقومون بها من أعمال مشينة، وفظاعة ما يعتمدونه من أساليب في حياتهم، وما فيها من مخالفة كبيرة لأسس ومفاهيم الأخلاق الفاضلة:
    ( أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ(165)وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ(166)قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنْ الْقَالِينَ(168) (الشعراء)
    يحاول بعض الناس في أيامنا هذه، إظهار هذه الأخلاق المنحرفة والتصرفات الشاذة بمظهر مقبول للمجتمع ويحاولون إعطاءها صفة الشرعية. لكن المسلم يعيش وينظم حياته طبقا لما جاء في أحكام الله وسننه. ولقاء هذه التصرفات المشينة التي يصفها الله بالسيئات من الأعمال، على أهل الإيمان وحملة راية الحفاظ عن الدين أن يقفوا الموقف نفسه الذي أبداه سيدنا لوط ( ع)ولقاء كل هذه الجهود والمساعي التي بذلها سيدنا لوط ( ع) مع قومه ودعوته لهم ترك المنكر والفحشاء من الأعمال، جابهه قومه بالتهديد والوعيد معتمدين على كثرتهم العددية التي تعطيهم الثقة والقوة. وهذا شأن جميع الذين لا يؤمنون من المنكرين والملحدين الذين خلت قلوبهم من نور الهداية. فهم يشعرون بالقوة مستندين إلى كثرتهم. ويعلمنا ربنا أن المؤمنين كانوا في قلة وعلى مرّ التاريخ الإنساني.
    كان مع سيدنا لوط ( ع) من الذين آمنوا معه: ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36) (الذاريات)، لكن الله مع المؤمنين دائما، يشملهم برعايته وعونه، وهذا هو الأمر المهم. إن الله تعالى يعد المؤمنين بالنصر والتوفيق ما داموا على إيمانهم بقلوب مطمئنة ومتوجهين إلى ربهم بخالص أعمالهم وبالحسنات من أعمالهم والدعوة إلى نشر دين الله بين الناس، متوخين كسب محبة الله تعالى ونيل رضاه عنهم، والعمل في دنياهم لأجل آخرتهم:
    ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) (النور)
    هذا الدستور الإلهي تحقق بالفعل خلال المئات من السنين التي مضت، حيث كان التوفيق والنجاح حليف المؤمنين رغم قلة عددهم أمام الكثرة الكبيرة من أقوامهم. وتأتي البشارة من الله:-
    ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(249) (البقرة)
    * سيدنا لوط ( ع) يقابل رسل الله إليه *
    عندما أتى رسل الله إلى سيدنا إبراهيم ( ع)، بشروه بذرية وولد صالح أما الخبر الآخر الذي جاءوا به فقد كان حول مصير قوم لوط.
    ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ(31) (العنكبوت)
    ويخبرنا القرآن عن قصة الرسل مع سيدنا لوط ( ع) :-
    ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77) (هود)
    ويستمر في بيان تصرفات قوم لوط حينما سمعوا بخبر مجيء رسل الله إلى بيت سيدنا لوط ( ع) :-
    ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) (القمر)
    وكان جوابه لقومه تحذيرهم من مغبة أعمالهم وتصرفاتهم :
    ( وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ(78)قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ(79) (هود)
    وفي قوله " هؤلاء بناتي ...) يقصد نساء قومه إلى جانب بناته. وهو بهذا يدعوهم إلى الطريق الصحيح والى الفطرة الإنسانية والسلوك المشروع في العلاقة الطبيعية بين المرأة والرجل حسبما أحلها الله وشرعها للناس ضمن مؤسسة الزواج والنكاح الشرعي ( والله أعلم ...).
    أما قوله " أليس فيكم رجل رشيد ..." فيظهر ما كان عليه قومه من تهور وسلوك غير عقلاني واندفاع أهوج نحو الشر والانحراف والفساد. هذا النبي الفاضل الذي كان مثال الأخلاق الحميدة والخصال الجميلة بين قوم من الأشرار الذين يعيشون حياة الانحلال والخروج عن الآداب، خاطب قومه يريد تركهم:-
    ( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(80) (هود)
    فأجابه رسل الله أن الله أرسل لهؤلاء عذابا وهلاكا لقاء ما يقترفونه من الطغيان وعمل المنكرات :
    ( قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ(62)قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ(63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ(64)فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ(65)وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ(66) (الحجر)
    ( قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81) (هود)
    هنا تظهر حقيقة امرأة لوط التي كانت مع قومها وبقيت معهم لتتلقى نفس مصيرهم من العذاب. وبالرغم من رفعة مقام زوجها الذي أعطاه الله مرتبة النبوة والمنزلة الرفيعة، والشرف الرفيع الذي ناله من جرائها فإنها لم تكتسب غير الخسران بسبب عدم إخلاصها، ولتمسكها بالنكران والكفر.


    ( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12) (التحريم)
    إن هلاك امرأة لوط على هذا الوجه وبهذه الصورة، يوحي لنا أن القربى من الأنبياء والانتساب إليهم لا يحمي الإنسان لوحده في الآخرة من الحساب العسير، أو يكسبه أية مميزات. إنما نجاة الإنسان وخلاصه مرهون بقوة إيمانه وشدة تعلقه بربه وطاعته له وخشيته وخوفه من عذابه. فإذا كان قلب الإنسان خاليا من الإيمان الخالص بالله، فسوف يكون مصيره سوء العاقبة مهما كانت درجة قربه ونسبه من الأنبياء والرسل. بل ونقول هنا أن مسؤولياته وتعرضه للحساب يكون أعسر وأشد بسبب قربه من منبع الوحي وتلقيه الأوامر والنواهي من قرب أكثر من غيره. وهنا يذكر القرآن أيضا ما يتعلق بنساء النبي :-
    ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(30)وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(31)يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا(32) (الأحزاب)
    لقد بين لنا ربنا من أخبار زوجات سيدنا نوح ( ع) وسيدنا لوط ( ع)، العبر والدروس. ومقابل هؤلاء، يعطينا ربنا المثل الصحيح من امرأة فرعون وما كانت تحمله من نية خالصة وصفاء روح وخشية من الله والدعاء من صميم فؤادها.
    ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(10)وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11) (التحريم)
    كان خبر قرب هلاك قوم لوط قد جاء إلى سيدنا إبراهيم أولا :-
    ( " فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا(3)فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا(4)إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ(5)وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6)وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ(7)إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ(8)يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9)قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ(10)الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ(11)يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ(13)ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ(14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(19)وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ(21)وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ(25)فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ(26)فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ(27)فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ(28)فَأَقْبَلَتْ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ(29)قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(30)قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ(32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ(33)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34)فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36) (الذاريات)
    ثم جاء الرسل إلى سيدنا لوط ( ع) وأخبروه أيضا عن مصير قومه والهلاك الذي ينتظرهم عدا الذين آمنوا منهم، فإنهم بعيدون عن هذا الخطر الرهيب الذي جاء ذكره في القرآن :-
    ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) (القمر)
    ( " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ(82)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ(83) هود 82-83")
    إن العبارة التي ترد في بداية السورة " ... وجعلنا عاليها سافلها ..." تطرح احتمال حصول زلزال عنيف قلب ظهر الأرض على باطنها. كما وإن قوله " ... وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود" يوجه الأذهان إلى احتمال انفجار بركاني أعقبه قذف الصخور المحترقة وسيول المواد المنصهرة" ... مسومة عند ربك ...". وفي الآية ( 173 ) من سورة الشعراء، ترد الصيغة بشكل آخر " فأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين" وهذه جميعها تتحدث عن زلازل عنيفة رجت الأرض رجا وقلبتها رأسا على عقب، وعن انفجار بركاني عنيف أمطر صخورا محترقة وموادا منصهرة على شكل مطر من نيران أهلكت الكفار عن بكرة أبيهم ( الله وحده أعلم ...).




    ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(55)فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(56) (النمل)
    يشير المؤرخون إلى أن مكان – وقوع هذا الحدث الرهيب كان بجوار " البحر الميت". وتعتبر مدينتا " سدوم" و " عمورة" الواقعتان على ضفاف البحر المذكور في المنطقة الواقعة حاليا بين الأردن وأراضي فلسطين المحتلة من قبل إسرائيل، مسرح ومكان تحقق وعد الله بحق قوم لوط الذين كانوا يعملون السيئات ويمارسون الشذوذ في العلاقات الجنسية، واستمروا على العناد والرعونة في كفرهم وضلالهم رغم ما قام به نبي الله لوط ( ع) من تحذيرهم وإنذارهم بعقاب الله، ودعوتهم إلى سلوك طريق الإيمان والطهر. وتؤيد الحفريات الأثرية والأبحاث في المنطقة حدوث زلازل عظيمة أدت إلى انكسار الطبقات الأرضية وهبوطها وبالتالي خسفت المدينتان. ويعتبر بعض الباحثين أن المنطقة التي تمتاز بضحالة مياه البحر ربما كانت الموقع الذي خسف الله قوم لوط فيه. ( للمزيد من المعلومات راجع :- هارون يحيى – هلاك الأقوام – الطبقة السادسة، اسطنبول، 2002).

    *) الهوامش حول الصورة:-
    (( يؤكد العلم الألماني فيرنر كيللر استنادا إلى الأبحاث الجيولوجية والأثرية أن مدينتي " سدوم وعمورة" التي عاش فيهما قوم لوط تقعان في وادي ( سيدوم"). ويقول أيضا في كتابه أن هذه المنطقة في الطرف الجنوبي من البحر الميت والتي كانت تحتوي مناطق مأهولة ومستعمرات سكنية قديمة. وتوجد بعض أجزاء وبقايا من المدينة المنكوبة التي غاصت في البحر، على الساحل. وتظهر الآثار المستوى العالي لنمط العيش والحياة الراقية التي كان عليها قوم لوط ( ع)


    ( أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(70) (التوبة)
    *) التعليق جانب الخرائط:
    (( من الممكن أن تدل معنى عبارة " عاليها سافلها ..." في الآية إلى حصول زلازل سوت كل شيء بالأرض. والدليل أن البحر الميت يقع على خط منطقة زلازل وبراكين وفعاليات تحت أرضية.
    تصف الآية ما حصل " ... وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود ...". يقول في ذلك العالم الآثاري – فيرنر كيللر- " أثناء حصول الانفجار البركاني تشققت قشرة الأرض وسمحت للمواد المنصهرة تحتها بالخروج، ويشاهد اليوم بقايا عدد من البراكين الخامدة شمالي ضفة نهر الأردن. وتظهر للعيان طبقات من المواد المنصهرة المتصلبة وأحجار البازلت فوق طبقة طباشيرية..." 22
    المصير المشترك لقوم لوط وسكان بومبي *
    " سكان مدينة " بومبي" وقوم لوط لاقوا نفس المصير "
    كانت مدينة " بومبي" مثال السقوط الأخلاقي والتفسخ والانحلال الاجتماعي في روما. مثلهم مثل قوم لوط في انتشار الشذوذ بينهم وسلوكهم طريقا غير ما يريده الله لعباده في طراز معيشتهم. فكانت نهايتهم مثل نهاية قوم لوط. لأن المجتمعات التي تقف ضد إرادة الله ستلاقي سوء العقاب في دنياهم قبل آخرتهم. وهذه سنة الله في خلقه ( اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا(43) (فاطر)، كما أخبرانا بكتابه.
    لقد تحقق خراب ( بومبي) عن طريق ثورة بركان " فيزوف" القريب منها. هذا الجبل البركاني يعتبر رمزا لمدينة نابولي الإيطالية وهو بركان نائم وخامد منذ حوالي 2000 عام ويسمى أيضا بجبل " العبرة ...". وما تعرضت له مدينتا ( سدوم وعورة) قريب الشبه بما لاقتها مدينة بومبي من سوء العاقبة. تقع مدينة نابولي في الجهة الغربية من الجبل ومدينة فيزوف في جهته الشرقية. وقبل حوالي 2000 عام انطمر الناس من أهالي ( بومبي) تحت ركام ودخان وأنقاض وسيول الصخور المنهمرة والمنصهرة بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار باغتت المدينة وأخذت أهلها على حين غرة، بحيث بقي كل شيء في المدينة على حاله تماما مثلما كان قبل 2000 عام، وكأن الزمن قد تجمد كل هذه المدة.
    هناك الكثير من الدروس والعبر والحكم التي بالإمكان استخراجها من حادث مدينة ( بومبي). ويشير التاريخ في صفحاته أن هذه المدينة كانت مركزا للتفسخ والانحلال الأخلاقي وتفشي الرذيلة وبشكل فضيع. ومن خواصها انتشار الفحش والفساد في أرجائها. غير إن ركام بركان فيزوف مسح كل شيء من الوجود. والمثير للعجب والدهشة أن انفجار بركان فيزوف الهائل لم يؤثر على سكان المدينة ولم يثر فيهم الهلع وبقوا على ما كانوا عليه دون أية محاولة للفرار وإنقاذ أنفسهم من هذا البلاء الذي تراءى لهم. وكأنهم تجمدوا في أماكنهم دون حراك. فترى عائلة كاملة وهي جالسة على مائدة الطعام وقد تحول الجميع إلى حجارة سوداء محترقة. كما وقد تحجرت عدة أزواج وهم في أوضاع الممارسة الجنسية وأوضاع مشينة أخرى تدل على الشذوذ والانحراف عن الطبيعة الإنسانية. والأعجب وجود الكثير من صغار السن من الفتيان معا أو الفتيات مع بعضهن أيضا. وبقيت وجوه كثيرة من الناس الذين تحجروا بشكل سليم تقريبا. وقد ارتسمت على هذه الوجوه، الحيرة والدهشة. ولعل كل هذا من آيات الله التي أخذتهم " بغتة". ويضرب القرآن مثلا، أهل مدينة من المدن:-
    ( إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29) (ياسين)
    *) التعليق على الصورة: ( نماذج من الأجساد البشرية استخرجت من أنقاض بومبي )
    *) التعليق على الصورة ( هذه النقوش الناتئة تمثل حياة أهل بومبي ومنها المجالس)




    ( رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ(169)فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ(170)إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ(171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ(172) (الشعراء)
    * هجرة سيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط ( ع)
    ورد في الآيات خبر هجرة أنبياء الله إبراهيم ولوط ( عليهما السلام) بأمر من الله، ثم استقرارهما في أرض طيبة مباركة. ويخبرنا القرآن أيضا النهاية السعيدة لهذين الرسولين الأكرمين وكذلك ذرياتهما من بعدهما:-
    ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(71)وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72)وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ(74)وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ(75) (الأنبياء)
    *) التعليق على الصورة: ( من بقايا مدينة بومبي، أربع مطاحن لصنع الدقيق...).

    هاجر هذا النبيان الكريمان من محل معيشتهما وبأمر من الله، حيث أراد لهما من أرضه. والهجرة عبادة يمارسها الصالحون من عباد الله. فالذين لا يؤمنون ولم يدخل نور الله إلى أنفسهم لا يفكرون في الهجرة وترك أماكنهم إلى مكان مجهول ليس لهم به علم مسبق. أما الإنسان المؤمن فإنه يعلم أن الله يريد له الخير أينما كان وحيثما وجه وجهه، وهاجر إلى أي ركن من أركان الأرض. فلا يجد التردد إلى نفسه سبيلا، ولا يمانع من ترك ما يملكه من حطام الدنيا إذا ما وجد أن في هذا الإجراء رضا الله. وقد ضرب لنا هذان النبيان أروع مثال على هذه الحقيقة الإيمانية. ففي سبيل تنفيذ أمر الله تركا كل شيء في هذه الحياة. وقد جازاهما الله أحسن جزاء في الحياة الدنيا ومنحهما من نعمه وبركاته. وما يعدهما في الآخرة أعظم وأبهى حيث النعيم المقيم في جنات الخلد.
    والمؤمنون الذين يثقون بربهم ويطمئنون إليه، يعتقدون بأن كل ما يختاره الله لهم فيه الخير والبركة، ويستسلمون لأمر ربهم مثل الأنبياء الأخيار الذين كان التوكل والتسليم لرب العالمين من شيمهم وخصالهم. ذلك لأن الحرص على الدنيا والتكالب على ملذاتها والارتباط بالمنافع إنما تمثل أخلاق غير المؤمنين ومن صفاتهم المميزة. ويبشر الله عباده المؤمنين الطيبين بشمولهم برعايته وفضله في حياتهم الدنيا وفي آخرتهم.
    إلى جانب كل هذه النعم، يتحدث القرآن عن نعمة الملك والحكم الذي جعله من نصيب بعض أنبيائه. فقد أعطى سيدنا داوود ( ع) ملكا عظيما ومنح سيدنا سليمان ( ع) القوة والسطوة والغنى، بينما يعد رسوله إبراهيم ( ع) وذريته من بعده ملكا كبيرا:-
    ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا(54) (النساء)
    إن الأموال الطائلة وكراسي الحكم والسلطان تعتبر سببا في دخول الغرور والكبر والإعجاب بالنفس إلى القلوب وسيطرتها على النفوس لدى الذين لا يؤمنون أو هم في غفلة عن ربهم. بينما الأنبياء والمؤمنون الذين يتبعون سبلهم ويسيرون على هداهم يسخرون عطايا ربهم في سبيل نشر دعوة الدين وانتشار الأخلاق الكريمة وأعمال البر والخير العام، ويبتغون رضا الله تعالى عنهم. والمؤمن يمتاز عن غيره باعتقاده الجازم أن الملك لله وحده، فيشكره على عطاياه واحسانه إذا ما أصابه الخير، ويصبر ويحمد ربه من صميم قلبه إذا ما ذهب عنه المال والملك أو نقص. ذلك لأنه يدرك أن الحياة الدنيا هي دار الاختبار والامتحان وإن العاقبة للمتقين حيث نعيم الجنان يجازى بها عباد الله المؤمنون المخلصين :-
    ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ(21)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(22) (التوبة)

    ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96) (الأعراف)
    ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97) (النحل)

  • #8
    تاريخ التسجيل
    August 2008
    المشاركات
    504
    * كلمة أخيرة * لقد بحثنا في هذا الكتاب عن بعض الخصائص والمميزات والمواقف في حياة وخصال النبي المختار سيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط ( ع) وذكرنا ما كانا يتمتعان بها من شيم ومكارم، من الإيمان العميق بالله والثقة والاطمئنان إليه وحكمه بشكل مطلق، والتسليم إليه والتوكل عليه في جميع شؤونهما وأمورهما، وأخلاقهما الحميدة وسعيهما الحثيث وبذلهما الجهود لهداية مجتمعاتهما وأقوامهما، والدعوة إلى معرفة الله وتوحيده وترك عبادة الأوثان والإشراك بالله والكفر والانحراف والسيئات من الأعمال والمكابرة والطغيان، معتمدين على آيات القرآن الكريم ومستشهدين ببعض الأحاديث النبوية والتفاسير. لقد أظهر سيدنا إبراهيم ( ع) عند قيامه بتبليغ الرسالة الربانية لقومه المشركين، الإيمان الثابت الراسخ والحكمة البالغة والصبر الجميل أمام قومه وما أظهروه وجابهوه من عنت وإصرار على الكفر ووضع العراقيل والمصاعب أمامه. كما قام سيدنا لوط ( ع) بدعوة قومه وبصبر وأناة وباستمرارية وثبات لا يلين، إلى عبادة الواحد الأحد والابتعاد عن عمل المنكرات وترك الرذائل وما كانوا عليه من شذوذ وانحراف وتفسخ خلقي رهيب. هؤلاء الخيرّون من عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لحمل رسالته إلى البشرية، أظهروا من الصبر والثبات على الإيمان ما جعلهم يكسبون رضا الله عنهم ونالوا جزاء ذلك من ربهم النصر والحماية والمقام الرفيع في حياتهم الدنيا، والخلود في نعيم جنانه في الحياة الآخرة.
    إن اتخاذ هؤلاء الأنبياء والرسل المكرمين أمثلة يحتذى بهم ونماذج يقتدى بهديهم من أولى الأهداف وغايات المؤمنين المخلصين لدينهم ليستحقوا نيل صفة عباد الرحمن الذين وصفهم الله في قرانه، الموحدين له والمتقين الخاشعين. ويبشرهم رب العالمين في سورة النساء :-
    ( وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69) (النساء)
    ولأجل أن يبلغ المؤمن مرتبة عالية عند ربه ويحشر في الآخرة مع زمرة الأنبياء والصالحين ويحظى عند الله بالقبول والرضا، عليه أن يسخر حياته لكل ما من شأنه تأمين اقترابه من ربه، وأن يزيد من ثقته واطمئنانه إلى حكمه وما يأتي منه، وأن يجعل كذلك دين الله المبين فوق أي اعتبار آخر. ولعله من البداهة أن نقول، أن كل من أظهر من الخلق الجميل ونفذ مقولة سيدنا إبراهيم ( ع) " وسلمت أمري لرب العاملين" ونظم طراز معيشته وأسلوب حياته على هذه الأسس والاعتبارات، فإنه يحق له أن يأمل ويرجو ويطمح من ربه الغفور الرحيم أن يجازيه الجزاء الحسن ويهديه سبيل الخلاص والسعادة الأبدية.
    إن كثرة الغافلين عن ربهم والناكرين له والجاحدين لنعمه في هذه الحياة يجب أن لا يثبط من عزائم الرجال أو يقلل من هممهم. فسيدنا إبراهيم ( ع) دعا قومه وكان وحيدا فردا بينهم. ولهذا قال فيه سبحانه وتعالى مثنيا عليه في قرآنه: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120) (النحل). وقام سيدنا لوط ( ع) مع نفر قليل من المؤمنين معه بدعوة قومه إلى طريق الهدى والإيمان والرشاد ( فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ(36) (الذاريات). وكان هو مع أهل ذلك البيت المسلم، الأقوى والأعلى بفضل عون الله وعنايته ووقوفه إلى جانبهم.
    والمهم في الأمر هو إدراك السر الأعظم في كون جميع المخلوقات تحت سيطرة وحكم وسلطان الخالق المبدع وقدرته العظيمة، وتنظيم الحياة والعيش طبقا لما تقتضيه هذه الحقيقة. وقد أدرك سيدنا إبراهيم ( ع) وسيدنا لوط ( ع) حقيقة وكنه هذا السر العظيم فأصبحوا من عباد الله المخلصين وأخلائه المقربين. إنها دعوة مباركة للمؤمنين كافة إلى التمثل بهؤلاء الأنبياء الكرام والرسل العظام في اكتساب الإيمان العميق والسعي الحثيث لتحقيق ما يؤمن لهم الدخول تحت خيمة زمرة عباد الله المكرمين، وأصفياءه المقربّين.

  •  

    المواضيع المتشابهه

    1. هدية للباحثين: تحميل "كتاب في ظلال القرآن ما له وما عليه"
      بواسطة karkazim في المنتدى منتدى الأناشيد والوسائط الصوتية والمرئية
      مشاركات: 3
      آخر مشاركة: 03-07-08, 18:52
    2. مراسي سفينة سيدنا نوح عليه السلام
      بواسطة karkazim في المنتدى في ظلال الكتاب والسنة
      مشاركات: 0
      آخر مشاركة: 27-04-08, 10:56
    3. دار التبيان تقدم "وحرض المؤمنين" و "وكذلك الرسل تبتلى" و "غزوة الشيخ عمر حديد" مترجمة
      بواسطة مشرف2 في المنتدى منتدى الأناشيد والوسائط الصوتية والمرئية
      مشاركات: 9
      آخر مشاركة: 06-06-06, 06:38

    مواقع النشر (المفضلة)

    مواقع النشر (المفضلة)

    ضوابط المشاركة

    • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
    • لا تستطيع الرد على المواضيع
    • لا تستطيع إرفاق ملفات
    • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
    •